الحدث غير عادي بكل المقاييس. ففي 29 شتنبر 2026، عيّن الملك محمد السادس، طبقًا للفصل 47 من الدستور، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المغرب، وذلك عقب تصدر حزبها الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر، بحصوله على 97 مقعدًا من أصل 395.
من وافد جديد إلى حليف
هنا تبرز المفارقة التأسيسية التي يقوم عليها هذا التحالف: ما الذي يمكن أن يجمع حزبًا نشأ في سياق إعادة تشكيل الخريطة الحزبية من الأعلى، ومواجهة زحف تيار الإسلام السياسي، بأحزاب منبثقة من الحركة الوطنية، كان بعض قادتها، مثل إدريس لشكر، إلى زمن قريب، ينعت الحزب المتصدر للانتخابات بـ«الوافد الجديد»؟
يمكن العثور على عناصر التقاطع في الدفاع عن الملكية الدستورية والوحدة الترابية، وتحديث المؤسسات، وتوسيع الحماية الاجتماعية. غير أن هذا المشترك في الثوابت لا يكفي وحده للحديث عن انسجام سياسي أو إيديولوجي. فالثوابت لا تلغي اختلاف التجارب التاريخية، ولا تجيب عن الأسئلة الحارقة: كيف نوزع الثروة؟ ما حدود تدخل الدولة في الاقتصاد؟ أين تقف علاقة السلطة بالمساءلة؟ وأين تتموقع الحريات العامة في ترتيب الأولويات الحكومية؟
وإذا كان حزب الأصالة والمعاصرة يستحضر في وثائقه التأسيسية تقرير الخمسينية وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على الحكومة الجديدة هو: هل ستتعامل معهما كمرجعيتين لتجديد السياسات العمومية وتعميق الإصلاح المؤسسي، أم ستكتفي باستحضارهما كمرجعية خطابية لتأثيث البرنامج الحكومي وتزيينه؟
الاختبار الحقيقي
إذا كانت هناك أولوية لا تحتمل التأجيل، فهي إعادة بناء الثقة الاجتماعية. ستجد الحكومة نفسها أمام مطالب متراكمة تتصل بجودة التعليم العمومي والخدمات الصحية وفرص الشغل والقدرة الشرائية ومحاربة الفساد. وبالمناسبة، يجدر التنبيه إلى أن الأمر لا يتعلق بتدبير الاحتجاجات الاجتماعية الظرفية واحتوائها، بل بمراجعة عميقة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن ألا يتحول النمو المسجل في بعض القطاعات إلى مجرد أرقام لا يشعر المواطن بانعكاساتها في حياته اليومية.
فحجم التحدي كبير. فحسب خلاصات مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي حول المغرب لسنة 2026، بلغ معدل البطالة 13 في المائة خلال سنة 2025، فيما وصل معدل بطالة الفئة العمرية بين 15 و24 سنة إلى 37.3 في المائة، مع توقعات ببقاء المعدل العام عند 12.3 في المائة سنة 2026. وهي مؤشرات تعكس أن التشغيل قضية استقرار اجتماعي.
ويظل ملف الفساد والرشوة الأكثر حساسية وتعقيدًا، لأنه لا يبدد الموارد العمومية فحسب، بل يضعف الثقة في المؤسسات وفي تكافؤ الفرص. لذا، فإن مكافحة هذه الآفة لا يمكن أن تُختزل في حملات تواصلية، بل تتطلب شفافية في الصفقات العمومية، ومراقبة تضارب المصالح، وحماية المبلغين، وتعزيز استقلالية أجهزة الرقابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، علمًا أن التكلفة السنوية للفساد تبلغ، حسب تصريح لرئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، 50 مليار درهم، وهو ما ينجم عنه إهدار موارد مالية ضخمة كان من الممكن توجيهها إلى الاستثمار وتجويد الخدمات العمومية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم.
مونديال 2030.. فرصة تنموية
سيشكل تنظيم كأس العالم 2030 أكبر اختبار عملي لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري. فالمغرب لا يستعد لمسابقة رياضية فحسب، بل لمرحلة تتطلب تنسيقًا واسعًا بين الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص، لضمان جاهزية الملاعب والنقل والمطارات والبنيات السياحية. والسؤال المركزي لا يتعلق فقط بقدرة المغرب على إنجاز المشاريع في الآجال المحددة، وإنما بطبيعة الأثر الذي ستتركه هذه الاستثمارات بعد انتهاء المونديال.
من هنا، يستدعي إنجاح هذا الرهان تحقيق الشفافية في تحديد الكلفة الإجمالية ومصادر التمويل، وإجراء تقييم واضح للأثر الاقتصادي والاجتماعي، لمنع تحول بعض المشاريع إلى أعباء مالية طويلة الأمد.
كل ذلك سيصطدم بواقع الإدارة المغربية التي تعاني من البيروقراطية والمركزية المفرطة، وغياب الشفافية والحق في الوصول إلى المعلومة.
ماذا بعد؟
في المحصلة، لن يكون السؤال هو ماذا جرى في الكواليس حتى «أقنعت» فاطمة الزهراء المنصوري أحزابًا منبثقة من الكتلة الديمقراطية، التي كان لها قادة بوزن عبد الرحيم بوعبيد، وامحمد بوستة، وعلي يعته، ومحمد بنسعيد، بركوب جرارها، بل السؤال الحاسم هو: هل ستنجح هذه الحكومة، عبر تدابير عملية، في إقناع المغاربة بأن الإصلاح والتغيير ممكنان؟
فالمغرب، الذي يواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية وتحديات جيوسياسية، لا يحتاج فقط إلى حكومة بوجوه جديدة تجيد فن الخطابة والتواصل، بل إلى تعاقد سياسي واجتماعي جديد يجعل التنمية أكثر عدالة، والمؤسسات أكثر فعالية، والمحاسبة أكثر جدية، بما يفضي إلى تغيير ملموس في أسلوب الحكامة وأولويات السياسات العمومية.






