تحليل

من قرار اللجنة الرابعة إلى موقف ديمستورا.. هل دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة إعادة تعريف الحل السياسي؟

مصطفى الغاشي (أستاذ التعليم العالي)

قراءة تحليلية في دلالات القرار الأممي رقم 2797، وتصويت اللجنة الرابعة

تقديم

 حين تنتقل القضية من تدبير النزاع إلى البحث عن صيغة التسوية، إن التطورات الأخيرة المرتبطة بقضية الصحراء المغربية تطرح علينا سؤالاً بالغ الاهمية، يتجاوز دلالات التصويت داخل اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة بجميع أعضاءها: هل نحن أمام استمرار للمسار الأممي التقليدي لتدبير النزاع، أم أمام تحول تدريجي في المرجعية السياسية التي سيُبنى عليها الحل النهائي؟ ان هذا السؤال يكتسب أهميته من تزامن ثلاثة عناصر اممية اساسية: اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797، وفق المعطيات الواردة في النص المنشور، وإدراج الإشارة إليه في القرار السنوي للجنة الرابعة، ثم النقاش المتعلق بموقف المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، من مقترح الحكم الذاتي المغربي. ان أهمية هذه التطورات تغعنا الى ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تختلط في الخطاب السياسي والإعلامي:

 

- المستوى القانوني والأممي: ويتعلق بما الذي تقرره مؤسسات الأمم المتحدة فعلياً، وما حدود الأثر القانوني لقراراتها؟

 

- المستوى السياسي والتفاوضي: ومرتبط بهل أصبح الحكم الذاتي مرجعية مركزية للتفاوض، أم أنه ما يزال مقترحاً من بين تصورات تتطلب التفاوض بشأن تفاصيلها؟

 

- المستوى الاستراتيجي: ويتعلق بالكيفية التي ستتعامل بها الجزائر وجبهة البوليساريو مع أي مسار تفاوضي يجعل المبادرة المغربية نقطة انطلاق أساسية لمناقشة التسوية؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي قراءة متأنية للوقائع، بعيداً عن المبالغة في تفسير كل تطور أممي باعتباره إعلاناً عن نهاية النزاع، كما تقتضي عدم التقليل من أهمية التحولات التي يمكن أن تطرأ على مرجعيات التفاوض.

 

أولاً: القرار 2797… التحول الأساسي في مرجعية التفاوض،

 

 لا تكمن أهمية القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 في كونه قراراً جديداً بشأن تمديد ولاية بعثة المينورسو فحسب، بل في الصيغة التي اعتمدها لتحديد أساس المفاوضات بشأن الصحراء.

 

فقد دعا مجلس الأمن إلى إجراء المفاوضات على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي، مع الترحيب بالمقترحات البناءة التي يمكن للأطراف تقديمها استجابة لهذه المبادرة. كما أشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل مخرجاً واقعياً للنزاع، مع التأكيد على التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف يتيح تقرير المصير لسكان الصحراء.

 

ان هذه الصياغة تسمح باستخلاص ثلاث ملاحظات أساسية:

 

1. انتقال الحكم الذاتي إلى مركز العملية التفاوضية،

 

فلم يعد مقترح الحكم الذاتي مجرد مبادرة مغربية تُعرض في المحافل الدولية للدفاع عن الموقف الوطني، بل أصبح أساساً محدداً للمفاوضات في قرار صادر عن مجلس الأمن. وهذا تطور سياسي مهم، لأنه يغير نقطة انطلاق النقاش: فبدلاً من الاقتصار على تداول تصورات متعارضة لتقرير المصير، أصبح المطلوب من الأطراف الانخراط في مفاوضات تستند إلى مبادرة الحكم الذاتي، مع إمكان تقديم مقترحات بناءة بشأنها.

 

2. التمييز بين أساس التفاوض والاتفاق النهائي، حيث لم يعلن القرار أن النزاع انتهى، ولم يعتمد النص المغربي للحكم الذاتي باعتباره اتفاقاً نهائياً نافذاً بين الأطراف.

 

فالقرار يحدد إطاراً للتفاوض، بينما تظل تفاصيل التسوية ومقتضياتها السياسية والقانونية والمؤسساتية موضوعاً للنقاش. ومن هنا تحديداً تتضح أهمية موقف ديمستورا، فهل سيكتفي بتيسير الحوار بين الأطراف، أم سيسعى إلى بلورة إطار تفصيلي يجعل الحكم الذاتي أساساً عملياً لاتفاق نهائي؟

 

3. استمرار التفاوض لا يعني العودة إلى نقطة الصفر،

 

ذلك إن الدعوة إلى التفاوض لا تلغي المرجعية التي حددها مجلس الأمن، لكنها تعني أن الوصول إلى تسوية يقتضي معالجة القضايا الخلافية، وفي مقدمتها العلاقة بين السيادة والحكم الذاتي وتقرير المصير وضمانات تنفيذ الاتفاق. وهذا هو الفارق بين القول إن الحكم الذاتي أصبح أساساً للتفاوض، والقول إن جميع عناصر التسوية حُسمت بالفعل.

 

ثانياً: ماذا أضاف تصويت اللجنة الرابعة بـ152 صوتاً؟

 

انه وفق المعطيات السياسية الاممية، فقد اعتمدت اللجنة الرابعة للجمعية العامة القرار السنوي المتعلق بالصحراء المغربية بـ152 صوتاً مؤيداً، مقابل صوتين معارضين وسبعة امتناعات. ويكتسب هذا التصويت أهمية خاصة لأنه جاء بعد قرار مجلس الأمن 2797، وأتاح إدراج الإشارة إليه في النص السنوي للجنة. وعلى هذا الاساس، فان القراءة التحليلية تقتضي التمييز بين طبيعة المؤسستين ووظيفة كل منهما. فمجلس الأمن هو الجهاز الذي اعتمد القرار 2797 وحدد أساس المفاوضات، في حين تندرج اللجنة الرابعة ضمن أجهزة الجمعية العامة المعنية بقضايا تصفية الاستعمار. لذلك، لا ينبغي التعامل مع تصويت اللجنة الرابعة باعتباره قراراً جديداً يحسم السيادة أو ينهي النزاع، بل باعتباره تطوراً دبلوماسياً يعكس اتساع التأييد للنص المعروض، ويعزز حضور المرجعية التي أقرها مجلس الأمن في النقاش الأممي. ومن خلال ذلك، تبرز ثلاث دلالات كبرى:

 

- دبلوماسياً: يوفر التصويت للمغرب مؤشراً على حجم التأييد الدولي للنص، وإن كان لا يجوز اعتبار كل تصويت تأييداً لجميع جوانب الموقف المغربي أو تفسيراً موحداً لمستقبل التسوية.

 

- سياسياً: يمنح إدراج القرار 2797، في النص السنوي للجنة حضوراً أممياً أوسع للمرجعية الجديدة للمفاوضات.

 

- تفاوضياً: يعزز أهمية انتقال الأطراف من تبادل المواقف العامة إلى مناقشة مضمون الحكم الذاتي وضمانات تنفيذه. والأهم هنا أن هذه الدلالات لا تُستمد من عدد الأصوات وحده، بل من العلاقة بين التصويت الجديد والمرجعية التي سبق أن حددها مجلس الأمن.

 

ثالثاً: ديمستورا والحكم الذاتي… من مقترح سياسي إلى إطار تفاوضي قابل للتنفيذ،

 

فبحسب تقرير نشرته صحيفة «لوديسك» المغربية في 12 أكتوبر 2026، عرض ستافان ديمستورا، خلال إحاطة مغلقة أمام أعضاء مجلس الأمن يوم 8 أكتوبر، تصوره للمرحلة المقبلة من المفاوضات. ووفق التقرير، اعتبر ديمستورا أن الحكم الذاتي الحقيقي ينبغي أن يكون الخيار الذي تنتظم حوله المفاوضات، ودعا مجلس الأمن إلى توضيح هذا الإطار في قراره المقبل، من دون أن يعني ذلك المصادقة المسبقة على مضمون المقترح المغربي الذي لا يزال موضوعاً للتفاوض. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها، لأن موقف المبعوث الأممي، كما نقلته الصحيفة، لا يمكن اختزاله في أحد تفسيرين متسرعين: إما أنه تبنى جميع تفاصيل المقترح المغربي، وإما أنه رفضه.

 

الا ان الأدق أن نميز بين ثلاثة مستويات اساسي.

 

1. الحكم الذاتي بوصفه الإطار المركزي للتفاوض، فإذا كان الحكم الذاتي الحقيقي هو الخيار الذي ينبغي أن تنتظم حوله المفاوضات، فإن ذلك يعني أن النقاش سيتجه نحو كيفية تجسيد هذا الخيار، لا نحو الاكتفاء بإعادة عرض المواقف التقليدية للأطراف، وهو ما يطرح أسئلة عملية بالغة الاهمية: ما الاختصاصات التي ستتمتع بها المؤسسات الجهوية؟ كيف ستُنظم العلاقة بين السلطات المحلية والسلطات المركزية؟ ما الضمانات القانونية والمؤسساتية التي ستؤطر ممارسة الحكم الذاتي؟ كيف ستتم معالجة القضايا المتعلقة بالموارد والتمثيل السياسي والأمن؟ ما الآليات التي ستضمن تنفيذ الاتفاق والمحافظة على استقراره؟

 

ان هذه الأسئلة لا تعني أن الإجابات عنها قد حُسمت، وإنما توضح طبيعة الانتقال من المبادرة السياسية العامة إلى مناقشة هندسة تسوية محتملة.

 

2. ضمانات دولية لا تعني بالضرورة تغيير طبيعة السيادة، فوفق التقرير، ربط ديمستورا الحكم الذاتي بثلاثة شروط كبرى: أن يكون فعلياً لا شكلياً، وأن يرتبط بمسار ذي معنى لتقرير المصير، وأن يستند إلى ضمانات دولية قوية يوفرها مجلس الأمن. ومن الضروري هنا عدم الخلط بين ضمانات تنفيذ الاتفاق وبين تحديد صاحب السيادة. فالضمانات الدولية يمكن أن تتعلق باحترام الالتزامات المتفق عليها، ومراقبة التنفيذ، وتسوية الخلافات، ومنع التنصل من الاتفاق. أما تحديد طبيعة السيادة ومجال الاختصاصات المركزية والجهوية، فيحتاج إلى صياغة سياسية وقانونية دقيقة ضمن التسوية التي سيجري التفاوض بشأنها. ومن ثم، فإن الحديث عن ضمانات دولية لا يعني، في حد ذاته، أن ديمستورا اقترح وضع الصحراء تحت وصاية دولية أو التشكيك في الموقف المغربي. لكنه يعني أن المبعوث الأممي يريد أن تكون التسوية، إذا تم الاتفاق عليها، محاطة بضمانات تتجاوز التعهدات السياسية المجردة.

 

3. تقرير المصير، موضع الخلاف الذي لم يُحسم بعد،

 

ان تقرير المصير يشكل أحد المفاهيم المركزية في الخطاب الأممي بشأن الصحراء. وتشير المعطيات المنشورة عن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في أكتوبر 2026، إلى أن المفاوضات تناولت بصورة منفصلة قضايا السيادة وتقرير المصير، وأن خلافات جوهرية بقيت قائمة بشأنها. كما تحدث التقرير عن ضرورة التشاور بصورة ذات معنى مع سكان الصحراء في إطار أي تسوية محتملة. وهذا يعني أن التحدي المطروح أمام المفاوضات ليس الاتفاق على عبارة «الحكم الذاتي» فحسب، وإنما تحديد كيفية تجسيده، وطبيعة المشاركة السياسية للسكان، وآليات التعبير عن إرادتهم، والعلاقة بين هذه العناصر ومبدأ السيادة.

 

والحصيلة هنا، أن ديمستورا، وفق ما نقلته المصادر ، يدفع نحو جعل الحكم الذاتي الحقيقي محوراً للمفاوضات، لكنه لا يعلن أن المقترح المغربي بصيغته الحالية أصبح اتفاقاً نهائياً، ولا أن جميع القضايا القانونية والسياسية المرتبطة به قد حُسمت.

 

رابعاً: هل غيّر ديمستورا موقفه من الحكم الذاتي؟

 

يقتضي هذا السؤال التمييز بين تغير الموقف السياسي وتطور المقاربة التفاوضية. فالمبعوث الشخصي للأمين العام لا يمثل طرفاً في النزاع، بل يتولى تيسير العملية السياسية. ولذلك فإن وظيفته ليست إعلان انتصار تصور وطني على تصور آخر، وإنما البحث عن صيغة يمكن أن تحظى بقبول الأطراف وتنسجم مع قرارات مجلس الأمن. الا ان مقاربته يمكن أن تتطور تبعاً للمرجعيات التي يعتمدها المجلس، ولما تكشفه المفاوضات من إمكانات عملية للتقريب بين المواقف.

 

وفي الحالة المطروحة، يمكن تسجيل ثلاثة مؤشرات:

 

الأول: التحول في مركز الثقل التفاوضي، فقد جعل القرار 2797، المبادرة المغربية أساساً للمفاوضات. ثم جاء موقف ديمستورا، وفق ما نشرته «لوديسك»، ليؤكد أهمية الحكم الذاتي الحقيقي في تنظيم المرحلة المقبلة. وهذا يعكس تقارباً في اتجاه العملية التفاوضية مع المرجعية التي حددها المجلس، وإن لم يكن ذلك دليلاً على تطابق جميع التصورات بشأن مضمون الحل النهائي.

 

الثاني: الانتقال إلى التفاصيل المؤسساتية، حيث لم تعد الأسئلة المطروحة محصورة في قبول مبدأ الحكم الذاتي أو رفضه، بل امتدت إلى الضمانات الدولية، وآليات التنفيذ، والترتيبات الانتقالية، وتوزيع الاختصاصات.

 

وفي هذا السياق، ويؤكد تقرير الأمم المتحدة، كما نقلته بعض وسائل الاعلام، أن المغرب قدم في يناير 2026، مشروع نظام أساسي للحكم الذاتي يطور مبادرته لعام 2007، وأن هذه الوثيقة أصبحت أساساً للمناقشات في الجولات التفاوضية.

 

الثالث: استمرار الحاجة إلى التوافق، فرغم تقدم النقاش نحو التفاصيل، لا تزال هناك خلافات بشأن السيادة وتقرير المصير، ولم يتحول الإطار التفاوضي إلى اتفاق نهائي. وعليه، فالأدق ليس القول إن ديمستورا انتقل نهائياً إلى تبني الموقف المغربي بكامل تفاصيله، بل إن مقاربته، وفق المعطيات المتوفرة، تتجه إلى التعامل مع الحكم الذاتي باعتباره الإطار الذي ينبغي تطويره تفاوضياً، مع الإبقاء على مسائل جوهرية مفتوحة أمام التفاوض. وهذا فارق مهم بين تثبيت مرجعية التفاوض وحسم مضمون التسوية.

 

خامساً: الجزائر والبوليساريو أمام معادلة تفاوضية صعبة،

 

إن أي تحول في مرجعية المفاوضات ينعكس بالضرورة على الخيارات المطروحة على الأطراف المعنية. وبالنسبة إلى الجزائر وجبهة البوليساريو، فإن اعتماد الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات يثير سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن التعامل مع عملية سياسية لا تنطلق من توازن كامل بين جميع المقترحات، وإنما من مرجعية حددها مجلس الأمن؟ ان تحليل الخيارات المطروحة يمكن من خلال ثلاثة سيناريوهات محتملة،

 

الأول: الانخراط في التفاوض بشأن مضمون الحكم الذاتي، ويفترض هذا السيناريو مشاركة الأطراف في مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي، بما فيها الاختصاصات والضمانات وآليات التنفيذ والترتيبات المتعلقة بالمرحلة الانتقالية. ومن شأن ذلك أن ينقل الخلاف من مستوى التمسك بالمواقف المتطرفة إلى مستوى التفاوض على الضمانات والاختصاصات وشروط التسوية. لكن الانخراط في التفاوض لا يعني بالضرورة قبول النتيجة مسبقاً، كما لا يعني أن جميع الخلافات ستُحل بسهولة.

 

الثاني: المشاركة في العملية السياسية مع استمرار الخلاف بشأن السيادة وتقرير المصير، فقد يستمر التفاوض، بينما تحافظ الأطراف على تفسيرات مختلفة لمفهوم تقرير المصير وللنتيجة السياسية النهائية.

 

ومن هنا يمكن أن تصبح تفاصيل الحكم الذاتي موضوعاً للخلاف، فهل تكفي الضمانات المؤسساتية؟ وما طبيعة التشاور مع السكان؟ وكيف تُحدد الاختصاصات؟ وما آليات تنفيذ الاتفاق؟

 

ان هذا السيناريو هو استمرار المسار السياسي، لكنه لا يضمن الوصول إلى تسوية في أجل محدد.

 

الثالث: تعثر المفاوضات بسبب الخلاف حول الإطار النهائي، فإذا لم تتوصل الأطراف إلى توافق بشأن العلاقة بين السيادة والحكم الذاتي وتقرير المصير، فقد تستمر المفاوضات من دون اتفاق نهائي. وهذا الاحتمال يذكر بأن وضوح المرجعية الأممية لا يساوي تلقائياً وجود إرادة سياسية مشتركة لإنجاز التسوية.

 

لذلك، يمكن القول إن الجزائر والبوليساريو فقدتا الكثير من خياراتهما، كما أن استمرار رفضهما لأي صيغة معينة قد يزيد من تعقيد طروحاتهما. فالمسار الأممي يظل مرتبطاً بالتفاعلات الدبلوماسية وبمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات تفاوضية. ومع ذلك، فإن اعتماد الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات يجعل من الضروري على الأطراف التي تعارضه أن توضح كيف يمكنها المشاركة في عملية سياسية تتخذ منه نقطة انطلاق، وما البدائل العملية التي يمكن أن تحظى بقبول الأطراف وتنسجم مع قرارات مجلس الأمن.

 

سادساً: ما دلالة الحديث عن مرحلة انتقالية ومجلس انتقالي؟

 

ان من أبرز ما تكشفه المعطيات المنشورة عن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة مناقشة ترتيبات محتملة لمرحلة انتقالية، من بينها فكرة إنشاء مجلس انتقالي يتولى الإشراف على بعض العمليات المرتبطة بالانتقال نحو تسوية نهائية. وبحسب بعض الصحف، فقد تناولت المناقشات أيضاً الضمانات الدولية، وتقاسم الموارد، والعفو والمصالحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والترتيبات الأمنية والأنظمة الانتخابية. كما جرى العمل على مسودة أولية لإطار اتفاق انتقالي محتمل. الا انه من المهم التأكيد على أن مناقشة هذه الترتيبات لا تعني اعتمادها بشكل نهائي، كما لا تعني ايضا أن المجلس الانتقالي قد أُنشئ بالفعل.

 

والجدير بالاشارة، الى ان دلالة هذه المناقشات تكمن في أنها تشير إلى محاولة الانتقال من سؤال: «ما الحل السياسي الممكن؟» إلى سؤال معقد مفاده: «كيف يمكن الانتقال من الوضع القائم إلى التسوية، إذا تم الاتفاق عليها؟». ان هذا الانتقال يطرح تحديات قانونية وسياسية وعملية مهمة، منها:

 

- تحديد الاختصاصات والمهام والمدة الزمنية لأي هيئة انتقالية محتملة.

 

- تحديد العلاقة بين الترتيبات الانتقالية والمؤسسات التي سيقرها اتفاق الحكم الذاتي.

 

- ضمان استمرارية الإدارة والخدمات العمومية وعدم نشوء فراغ مؤسساتي.

 

- الاتفاق على الترتيبات الأمنية وآليات تنفيذ الالتزامات.

 

- تحديد طبيعة الضمانات الدولية وحدود تدخل الأطراف الدولية في مراقبة الاتفاق.

 

وعلى هذا الاساس، فلا يمكن استنتاج أن هذه المسائل حُسمت، لكن مجرد طرحها يعكس توجهاً نحو اختبار قابلية التسوية للتنفيذ، بدلاً من الاكتفاء بالتفاوض حول المبادئ العامة.

 

سابعاً: هل يعني ذلك أن الأمم المتحدة حسمت السيادة المغربية على الصحراء؟

 

لا شك ان هذا سؤال مركزي، والإجابة عنه تقتضي الدقة في استخدام المصطلحات.

 

فمن الناحية السياسية، يمثل اعتماد المبادرة المغربية أساساً للمفاوضات تطوراً مهماً في موقعها داخل العملية الأممية. الا انه من الناحية القانونية والمؤسساتية، يجب التمييز فيها بين ثلاثة أمور اساسي:

 

- تحديد أساس المفاوضات: وهو ما نص عليه القرار 2797 بشأن المبادرة المغربية للحكم الذاتي.

 

- التوصل إلى اتفاق سياسي نهائي: وهو ما يتطلب مفاوضات وتوافقاً بشأن مضمون التسوية.

 

- تحديد الوضع النهائي للإقليم في إطار تسوية أممية: وهو أمر لا يجوز اعتباره محسوماً لمجرد اعتماد قرار يحدد إطار التفاوض.

 

فقرار مجلس الأمن 2797، لا يعلن انتهاء النزاع، وإنما يدعو إلى التفاوض على أساس المبادرة المغربية مع الحفاظ على هدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف.

 

ومن هنا، فإن القول إن القرار عزز موقع المبادرة المغربية في المسار التفاوضي يستند إلى نص القرار.

 

أما القول إن الأمم المتحدة أعلنت انتهاء النزاع أو إن جميع مسائل السيادة حُسمت قانونياً، فهو استنتاج يتجاوز ما يثبته النص. وهذا التمييز لا يقلل من أهمية التطور السياسي، بل يسمح بفهمه على أساس دقيق، ويجنب الخلط بين المكسب التفاوضي والنتيجة القانونية النهائية.

 

ثامناً: ما الذي ينبغي أن يفعله المغرب في هذه المرحلة؟

 

انه إذا كانت المرجعية التفاوضية تتجه إلى الحكم الذاتي، فإن التحدي لم يعد يقتصر على الدفاع الدبلوماسي عن المبادرة، بل يشمل تطوير مضمونها وتوضيح آليات تطبيقها.

 

ومن هنا يمكن تحديد أربعة مسارات مترابطة.

 

1. تطوير الصياغة القانونية والمؤسساتية للحكم الذاتي

 

يقتضي الانتقال من المبادرة السياسية إلى مشروع تسوية قابل للتفاوض مع تحديد الاختصاصات بوضوح، وتنظيم العلاقة بين المؤسسات المحلية والسلطات المركزية، ووضع آليات لحل النزاعات المؤسساتية.

 

فكلما كانت الصياغة دقيقة، أصبح النقاش بشأنها أكثر ارتباطاً بالترتيبات العملية وأقل عرضة للتأويلات المتعارضة.

 

2. توضيح الضمانات المتعلقة بالتنفيذ، ان من شأن تحديد الضمانات القانونية والمؤسساتية أن يساعد في الإجابة عن التساؤلات المرتبطة باستمرارية الاتفاق، واحترام الاختصاصات، وآليات تسوية الخلافات.

 

ولا ينبغي النظر إلى هذه الضمانات باعتبارها مسألة شكلية، بل باعتبارها جزءاً من قابلية أي تسوية للاستمرار.

 

3. تعزيز المشاركة السياسية والتنموية للسكان، فلا يمكن اختزال الحكم الذاتي في توزيع إداري للاختصاصات، لأنه يرتبط أيضاً بمدى قدرة المؤسسات المحلية على تمثيل السكان وتدبير شؤونهم. ومن ثم، فإن جودة المؤسسات المنتخبة، وشفافية التدبير، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ الفرص الاقتصادية والاجتماعية، كلها عناصر ذات أهمية في النقاش حول نموذج الحكم الذاتي.

 

4. الحفاظ على الدقة في الخطاب الدبلوماسي، لإن التمييز بين ما نص عليه مجلس الأمن، وما طرحه ديمستورا، وما لا يزال موضوعاً للتفاوض، ضروري لتجنب تقديم تصورات محتملة باعتبارها قرارات نهائية.

 

كما أن التعامل مع المفاوضات باعتبارها مساراً مستمراً يتطلب قراءة كل تطور ضمن سياقه القانوني والسياسي، لا الاكتفاء بالعناوين الإعلامية.

 

في الختام، من تثبيت مرجعية الحكم الذاتي إلى اختبار إمكانات التسوية، إن الجمع بين قرار مجلس الأمن 2797، وتصويت اللجنة الرابعة للجمعية العامة بـ152 صوتاً مؤيداً وفق المعطيات المقدمة، والموقف الذي نقلته الصحافة عن ديمستورا في أكتوبر 2026، يكشف عن تطور مهم في مسار المفاوضات بشأن الصحراء.

 

فقرار مجلس الأمن جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، وتصويت اللجنة الرابعة أتاح إدراج الإشارة إلى هذا القرار في النص السنوي المتعلق بالقضية، فيما يشير موقف ديمستورا، كما نقلته «لوديسك»، إلى ضرورة تنظيم المرحلة المقبلة حول الحكم الذاتي الحقيقي، مع إخضاع تفاصيل المقترح للتفاوض وتوفير ضمانات دولية للتسوية المحتملة.

 

الا ان هذه التطورات لا تعني أن الاتفاق النهائي قد تحقق، أو أن الخلافات المتعلقة بالسيادة وتقرير المصير والضمانات قد حُسمت.

 

إننا أمام مسار تتضح فيه مرجعية التفاوض بصورة أكبر، بينما تظل طبيعة الاتفاق النهائي وشروطه وآليات تنفيذه رهينة المفاوضات.

 

ولعل السؤال الأهم اليوم ليس فقط: هل أصبح الحكم الذاتي أساس الحل؟ بل هل تستطيع الأطراف تحويل هذه المرجعية إلى اتفاق سياسي وقانوني قابل للتنفيذ، ينهي النزاع ويؤسس لاستقرار إقليمي مستدام؟

 

فبين تثبيت المرجعية وإنجاز التسوية مسافة تفاوضية لا تزال قائمة، وإن كانت طبيعة الأسئلة المطروحة توحي بأن النقاش انتقل بدرجة أكبر من البحث عن إطار للحل إلى اختبار شروط إمكانه.

 

وخلال هذه المسافة تحديداً ستتحدد قدرة الدبلوماسية الأممية على تحويل القرارات إلى اتفاق، وقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الخلاف إلى التوافق بشأن مستقبل الصحراء.