يواجه المجتمع المغربي نقاشاً محتدماً حول اتساع الفجوة الطبقية وتأثير التوجهات الاقتصادية للحكومات المتعاقبة على القدرة الشرائية للمواطنين. بين تطلعات الفئات المستضعفة وتوجهات صناع القرار، تبرز تساؤلات عميقة حول مدى نجاعة الإجراءات المتخذة في تحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة وحماية المستهلك من تغول الأسواق.
تحولات السياسة الاقتصادية: من إصلاح المقاصة إلى تدبير الثروة
شهدت الهيكلية الاقتصادية خلال السنوات الماضية محطات مفصلية أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الشعبية:
• حكومة عبد الإله بنكيران: تميزت هذه الفترة باتخاذ قرارات حاسمة، أبرزها إصلاح صندوق المقاصة ورفع الدعم التدريجي عن المواد البترولية. في الوقت الذي اعتبرت فيه الحكومة هذه الخطوة ضرورية لإنقاذ الموازنة العامة، رأى فيها طيف واسع من المجتمع عبئاً إضافياً أثقل كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة.
• حكومة عزيز أخنوش: جاءت هذه الحكومة في سياق يجمع بين تحديات ما بعد الجائحة والموجات التضخمية العالمية. ورغم تأكيد البرامج الحكومية آنذاك على بناء "الدولة الاجتماعية"، إلا أن التداخل بين عالم المال والأعمال وتدبير الشأن العام أثار انتقادات مستمرة بشأن مدى انحياز السياسات للاستثمارات الكبرى على حساب حماية الفئات الأكثر هشاشة.
تداعيات الاحتقان الاجتماعي وموقف السلطة التنفيذية
لم يكن الشارع صامتاً أمام هذه التحولات؛ إذ توالت الاحتجاجات والمظاهرات القطاعية تعبيراً عن الضيق الاقتصادي وبكاء الفئات التي تجد صعوبة في مواكبة الارتفاع الصاروخي للأسعار.
وتتجلى إشكالية هذا المشهد في فجوة التواصل؛ حيث يُنظر إلى ردود الأفعال الرسمية أحياناً بنوع من اللامبالاة أو البطء في التفاعل مع نبض الشارع. كما أن بعض الخرجات والتصريحات الصادرة عن مسؤولين في قطاعات سيادية، كوزارة العدل، أثارت في محطات متعددة استياءً شعبياً بسبب ما اعتبره المواطنون غياباً للحس التضامني مع هموم الفئات المستضعفة.
حكومة المنصوري: رهان إعادة كرامة المستهلك ومواجهة الاحتكار
مع تولي حكومة فاطمة الزهراء المنصوري المسؤولية، تتجه الأنظار نحو البرنامج الحكومي الذي يحمل تطلعات جديدة ترتكز على إعادة الاعتبار لكرامة المستهلك المغربي وحمايته من التقلبات العشوائية للأسعار.
تعهدت الحكومة الجديدة باتخاذ إجراءات صارمة لضبط الاختلالات التي أرهقت كاهل المواطن لسنوات، ومن أبرز معالم هذا التوجه:
• محاربة الاحتكار والوساطة: التزام رسمي بالتنسيق مع مجلس المنافسة لضرب شبكات الاحتكار والمضاربة، والتصدي للوسطاء الذين يتلاعبون بأسعار المواد الأساسية على حساب القوة الشرائية للمواطن.
• تعزيز المراقبة والحكامة: تشديد الرقابة على الصفقات العمومية ومواجهة التواطؤ في المناقصات، لضمان ألا تذهب مقدرات الدولة لخدمة مصالح فئات محدودة، وفتح المجال لدعم المقاولات الصغرى والمتوسطة بنسبة 30%.
• الدعم الاجتماعي المباشر والتخفيف المالي: التوجه نحو الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر للأسر ليتراوح بين 500 و1000 درهم بناءً على الدخل الحقيقي، بالإضافة إلى تحمل الدولة التلقائي للفواتير الكهربائية المنزلية التي لا تتعدى 100 درهم للأسر الأشد تضرراً، كخطوة عملية لتخفيف وطأة تكاليف العيش الحيوية.
خلاصة وتطلعات
إن استقرار السلم الاجتماعي يظل رهيناً بمدى قدرة الحكومات على تحويل الوعود البرامجية إلى واقع ملموس يعيد الثقة للمواطن البسيط. فالنمو الاقتصادي الحقيقي لا يُقاس بحجم الأرباح أو المؤشرات الجافة، بل بمدى صون كرامة المستهلك، وحماية الفئات المستضعفة، وضمان العيش الكريم لكل أفراد المجتمع.






