ليس السؤال الجوهري الذي ينبغي أن نطرحه اليوم بشأن أزمة التعليم بالمغرب هو: من سيتولى تدبير وزارة التربية الوطنية؟ ولا أي حزب ستؤول إليه هذه الحقيبة الوزارية؟ بل السؤال الأعمق هو: هل يمكن إصلاح منظومة التربية والتكوين في ظرف ولاية حكومية واحدة، أو حتى خلال خمس ولايات تشريعية متعاقبة، إذا لم تتوافر إرادة وطنية لبناء رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تتجاوز الحسابات الانتخابية والتغييرات الحكومية؟
إن التعليم ليس قطاعاً إدارياً عادياً يمكن إعادة ترتيب أولوياته كلما تغير الوزير المسؤول عنه. إنه قطاع اجتماعي واستراتيجي تتوقف عليه جودة الرأسمال البشري، وقدرة الاقتصاد الوطني على التطور، وشروط الارتقاء الاجتماعي، ومستقبل الأجيال الصاعدة. ومن ثم، فإن إصلاحه الحقيقي لا ينبغي أن يظل رهيناً بتصورات الأشخاص الذين يتعاقبون على تدبيره، مهما اختلفت خلفياتهم المهنية أو انتماءاتهم السياسية.
من تعاقب الوزراء إلى استمرارية المشروع الوطني
منذ عقود، شهد قطاع التربية الوطنية بالمغرب تعاقب مسؤولين من مشارب مختلفة، بين السياسي والتقنوقراطي والأكاديمي والإداري. وتوالت مشاريع الإصلاح، من الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى البرنامج الاستعجالي، مروراً بالرؤية الاستراتيجية للإصلاح والقانون الإطار رقم 51.17، وصولاً إلى المشاريع التي يجري تنفيذها في المرحلة الراهنة.
ومع ذلك، ظل السؤال مطروحاً حول قدرة هذه المبادرات على إحداث تحول مستدام في جودة التعلمات، والحد من الفوارق المجالية والاجتماعية، وتحسين ظروف عمل الموارد البشرية، والرفع من مردودية الإنفاق العمومي على التعليم.
ولا يعني هذا أن جميع الإصلاحات السابقة كانت عديمة الجدوى، أو أن كل تغيير في السياسات التعليمية يشكل تراجعاً بالضرورة. فبعض الإصلاحات قد تستوجب المراجعة والتصحيح استناداً إلى نتائج التقييم. لكن المعضلة تبدأ عندما لا تستند التعديلات إلى حصيلة موضوعية، وعندما يتحول تغيير المسؤولين إلى مناسبة لإعادة ترتيب الأولويات دون ضمان استمرارية المكتسبات.
إن المدرسة لا تستطيع أن تنتظر نهاية كل ولاية حكومية لتعرف ما إذا كانت المناهج التي تعتمدها ستستمر، أو ما إذا كانت البرامج التي انخرطت فيها ستظل قائمة. كما لا يجوز أن يتحمل المدرسون والمتعلمون والأسر كلفة التجريب المتكرر، في غياب تقييم شفاف يميز بين ما نجح وما تعثر، وبين ما ينبغي استكماله وما يستوجب التغيير.
لهذا، فإن المطلوب ليس إلغاء دور الوزير أو تجميد السياسات العمومية، وإنما وضع الوزير والحكومة داخل إطار استراتيجي وطني واضح، تتولى المؤسسات المختصة تتبع تنفيذه وتقييمه، وتلتزم الحكومات المتعاقبة بمواصلة أهدافه الأساسية مع إدخال التصحيحات الضرورية.
رؤية تمتد على مدى جيل كامل
إن إصلاح منظومة بهذا الحجم والتعقيد يحتاج إلى أفق زمني يتجاوز ولاية تشريعية واحدة، بل قد يتطلب جيلاً كاملاً حتى تظهر نتائجه بصورة متكاملة، من التعليم الأولي إلى التعليم المدرسي، ومن التكوين المهني إلى التعليم العالي والبحث العلمي.
فالتلميذ الذي يلج المدرسة اليوم يحتاج إلى سنوات من التعلم والتكوين قبل أن يصبح إطاراً متخصصاً أو تقنياً أو باحثاً أو مهنياً مؤهلاً. ولا يمكن تقييم سياسة تعليمية طويلة الأمد بمجرد حصيلة سنة دراسية أو ولاية وزير، كما لا يمكن تحميل جيل من المتعلمين نتائج اختيارات متقلبة لم يشارك في صياغتها.
ومن هنا تبرز ضرورة إطلاق حوار وطني شامل، لا يكون مجرد محطة تشاورية عابرة، بل مساراً مؤسساتياً يشارك فيه المدرسون والمفتشون والإداريون والباحثون والنقابات التعليمية والجامعات ومؤسسات التكوين المهني، إلى جانب الأسر والطلبة والتلاميذ والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والجماعات الترابية ومكونات المجتمع المدني.
ويتعين أن يفضي هذا الحوار إلى ميثاق وطني استراتيجي للتربية والتكوين، يحدد الأهداف المرحلية والنهائية، والموارد المالية والبشرية الضرورية، ومؤشرات قياس النتائج، وآليات التقييم والمحاسبة، مع ضمان استمرارية الاختيارات الأساسية عبر الحكومات المتعاقبة.
فالرؤية المشتركة لا تعني أن الجميع مطالبون بالتفكير بالطريقة نفسها، وإنما تعني الاتفاق على الحد الأدنى الذي لا يجوز أن يتحول إلى موضوع للمساومة السياسية في كل مرحلة: حق المتعلم في تعليم جيد، وكرامة المدرس، وتكافؤ الفرص، وجودة التكوين، وربط المدرسة بمستقبل البلاد.
المدرسة المغربية والاقتصاد الوطني: من التكوين العام إلى التأهيل المنتج
لا يمكن إصلاح التعليم بمعزل عن حاجات الاقتصاد الوطني، كما لا يجوز اختزال المدرسة في مجرد مؤسسة لإنتاج اليد العاملة. فوظيفتها الأساسية تظل بناء الإنسان، وتنمية قدراته الفكرية والثقافية والعلمية، وترسيخ قيم المواطنة، إلى جانب تأهيله للمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن التوفيق بين هذه الوظائف يقتضي مراجعة العلاقة بين التعليم العام والتكوين المهني، وإرساء جسور حقيقية بين المدرسة والمقاولة ومؤسسات الإنتاج والخدمات.
فمن غير المعقول أن تستمر بعض القطاعات الاقتصادية في مواجهة خصاص في التقنيين والأطر المتوسطة والمهن المتخصصة، بينما يغادر عدد من الشباب المنظومة التعليمية دون شهادة أو تأهيل يتيح لهم الاندماج المهني، أو يجد آخرون أنفسهم أمام مسارات دراسية لا تتناسب مع ميولاتهم وقدراتهم ولا مع الفرص المتاحة في سوق الشغل.
ولذلك، ينبغي تطوير منظومة للتوجيه المدرسي والمهني تبدأ في وقت مبكر، وتستند إلى مؤهلات المتعلمين وميولاتهم، وتوفر لهم ولأسرهم معلومات دقيقة حول مختلف المسارات الممكنة وآفاقها المهنية. ولا يتعلق الأمر بتوجيه التلاميذ بعيداً عن التعليم العام، أو بجعل التكوين المهني خياراً اضطرارياً لمن تعثروا دراسياً، بل بإعادة الاعتبار إليه باعتباره مساراً ناجحاً للتأهيل والترقي الاجتماعي.
كما ينبغي أن تتطور عروض التكوين بالتنسيق مع القطاعات الحكومية والمقاولات والهيئات المهنية، حتى تستجيب للحاجات الفعلية والمتغيرة للاقتصاد، دون أن تتحول إلى استجابة ظرفية لطلبات سوق الشغل على حساب التكوين الأساسي والقدرة على التعلم المستمر.
والهدف هو الحد من الهدر المدرسي، ومنح الشباب فرصاً متعددة للنجاح، وتوفير الكفاءات التي تحتاج إليها المؤسسات العمومية والمقاولات الخاصة، مع إتاحة إمكانية الانتقال بين المسارات والتخصصات، واستكمال الدراسة لمن يرغب في ذلك.
نزيف الكفاءات: لماذا يتعلم المغرب ليخسر بعضاً من خريجيه؟
من التحديات التي ينبغي أن تحتل مكانة مركزية في أي استراتيجية وطنية للتربية والتكوين قضية هجرة الكفاءات المغربية، ولا سيما الخريجين المتفوقين والأطر المتخصصة التي تستثمر البلاد في تعليمها وتكوينها قبل أن تجد فرصاً أفضل للعمل والبحث والتطور المهني خارج الحدود.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الظاهرة من زاوية عاطفية فقط، أو اعتبار الهجرة في حد ذاتها سلوكاً سلبياً؛ فتنقل الكفاءات وتبادل الخبرات يمكن أن يعودا بالنفع على الأفراد والبلدان. لكن الإشكال الحقيقي يظهر عندما يصبح مغادرة البلاد خياراً شبه ضروري أمام أصحاب الكفاءات بسبب محدودية فرص البحث العلمي، أو ضعف آفاق التطور المهني، أو عدم التناسب بين المؤهلات وظروف العمل والتعويضات.
ومن ثم، فإن الاحتفاظ بالكفاءات لا يتحقق بالدعوة إلى البقاء وحدها، بل بإقامة بيئة جاذبة للعلم والعمل والإبداع، وتحسين ظروف الباحثين والأطر المتخصصة، وتطوير الجامعات ومراكز البحث، وتوفير فرص مهنية تستثمر قدرات الخريجين بدل تركها معطلة أو دفع أصحابها إلى البحث عنها في الخارج.
كما ينبغي تطوير آليات التعاون مع الكفاءات المغربية بالخارج، وتشجيع نقل المعرفة والاستثمار والبحث المشترك، حتى تتحول الهجرة، حيثما أمكن، من خسارة صافية للموارد البشرية إلى فرصة للتبادل والتعاون.
فالتعليم الذي لا يجد خريجوه فرصاً مناسبة لتوظيف معارفهم داخل بلدهم يطرح سؤالاً يتجاوز المدرسة إلى نموذج التنمية برمته.
التعليم العمومي: استثمار وطني لا عبء على الميزانية
ومن المحاور الأساسية التي ينبغي أن تتضمنها الرؤية المقترحة إعادة الاعتبار إلى المدرسة العمومية، باعتبارها ركيزة أساسية لتكافؤ الفرص والتماسك الاجتماعي.
فلا يمكن بناء منظومة تعليمية منصفة إذا ظلت جودة التعلم مرتبطة، بدرجة كبيرة، بالقدرة المالية للأسر على اختيار المؤسسة التعليمية أو تحمل تكاليف الدعم والتأهيل الإضافي. كما لا يمكن للمدرسة العمومية أن تؤدي رسالتها كاملة إذا لم تتوفر لها البنية التحتية الملائمة، والأطر الكافية، والتكوين المستمر، وظروف العمل التي تمكنها من استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.
إن الرهان على التعليم العمومي ينبغي أن يكون واضحاً في الأولويات والميزانيات، من خلال تحسين جودة المؤسسات وتجهيزاتها، وتقليص الاكتظاظ حيث يوجد، ودعم المتعلمين الذين يواجهون صعوبات اجتماعية أو دراسية، وتحسين الأوضاع المهنية للموارد البشرية، وربط التمويل بنتائج قابلة للتقييم.
ولا يعني ذلك إقصاء التعليم الخصوصي أو إنكار مساهمته في المنظومة، بل تنظيم العلاقة بين القطاعين على أساس تكامل الأدوار، واحترام المعايير التربوية، وضمان تكافؤ الفرص وحماية المصلحة الفضلى للمتعلمين.
كما أن تحسين جاذبية الوظيفة التعليمية، عبر تحفيزات مادية ومهنية معقولة، وتوفير فرص التطور والتكوين والترقي، يجب أن يشكل جزءاً من سياسة استثمار في الموارد البشرية، لا مجرد استجابة ظرفية لاحتجاج أو ملف مطلبي.
فالمدرس ليس منفذاً تقنياً لمناهج تُصاغ بعيداً عن الفصل الدراسي، بل فاعل مركزي في أي إصلاح، ولا يمكن مطالبة المدرسة بنتائج أفضل دون توفير الشروط التي تساعد العاملين فيها على تحقيقها.
من يضمن استمرارية الإصلاح ومحاسبة المسؤولين؟
إن وضع استراتيجية تمتد على مدى جيل كامل لن يكون كافياً إذا ظلت مجرد وثيقة إضافية تنضم إلى رفوف التقارير والمخططات. فالرهان الحقيقي يكمن في تحويلها إلى التزام مؤسساتي قابل للتنفيذ والتقييم.
ويقتضي ذلك تحديد أهداف مرحلية واضحة، ونشر تقارير دورية حول مستوى الإنجاز، وتقييم النتائج بصورة مستقلة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإتاحة المعطيات الضرورية للرأي العام. كما يستوجب تصحيح الاختلالات دون انتظار نهاية كل مخطط، وتحديد المسؤوليات عن التأخر أو سوء التدبير، سواء تعلق الأمر بالمستوى المركزي أو الجهوي أو المحلي.
وينبغي أن تكون هناك هيئة وطنية للتتبع والتقييم، تستند إلى الخبرة التربوية والعلمية، وتعمل باستقلالية وظيفية وشفافية، وتضم أصواتاً متعددة من داخل المنظومة وخارجها، مع ضمان التنسيق مع المؤسسات القائمة حتى لا تتحول إلى جهاز إداري إضافي.
أما الحكومات والوزراء، فينبغي أن يتنافسوا في تحسين تنفيذ الرؤية الوطنية وتطوير وسائلها، لا في استبدالها كلما تسلموا مسؤولية القطاع.
إن المغرب لا يحتاج إلى انتظار وزير استثنائي كي تنطلق المدرسة في مسار الإصلاح، بل يحتاج إلى بناء منظومة تجعل نجاح التعليم نتيجة لسياسة وطنية مستمرة، لا رهينة لأسماء المسؤولين الذين يتعاقبون على الوزارة.
فإصلاح التعليم ليس سباقاً بين الوزراء، ولا حملة ظرفية تنتهي بانتهاء ولاية حكومية. إنه مشروع مجتمع، واستثمار في الإنسان، ورهان على مستقبل البلاد.
والسؤال الذي يستحق أن يظل مفتوحاً أمام الحكومة والبرلمان والقوى السياسية والنقابات والفاعلين التربويين والاقتصاديين هو: هل نملك الجرأة للاتفاق على رؤية وطنية للتربية والتكوين تمتد على مدى جيل كامل، وتلتزم بها الحكومات المتعاقبة، أم سنواصل تغيير خرائط الإصلاح بينما يظل المتعلم المغربي ينتظر مدرسة تمنحه المعرفة والكفاءة والإنصاف وفرصة حقيقية لبناء مستقبله؟






