لم تكن عبارة رئيس الجلسة البرلمانية إدريس الشطيبي: “ماركسيون على سنة الله ورسوله” مجرد نكتة عابرة أو انفعال لفظي، بل لحظة مكثفة اختزلت مأزقاً أكبر في المشهد السياسي المغربي. فقد كشفت عن هشاشة اللغة السياسية، وتوتر العلاقة بين المرجعيات، وتحول النقاش المؤسساتي إلى مواجهة هوياتية تُغطي على الأسئلة الحقيقية المتعلقة بالتشريع والحكامة.
العبارة، في تركيبها المتناقض، لم تُخفف التوتر بل فضحته، وأظهرت عمق الإشكال الذي يعيشه خطابنا السياسي عندما يفضّل المناورة البلاغية على النقاش العقلاني.
1. المفارقة اللفظية: بلاغة مضادة للحوار
تقوم العبارة على ما يُعرف في البلاغة بـ”الأوكسيمورون”: جمعٌ بين معنيين متعارضين:
“ماركسيون”: مصطلح يحيل إلى إطار مادي تحليلي يقرأ المجتمع عبر الصراع الطبقي ويتعامل مع الدين كبنية فوقية.
“على سنة الله ورسوله”: صيغة دينية-شرعية مستندة إلى الوحي والمرجعية الأخلاقية المقدسة.
هذا الجمع ليس بريئاً؛ إنه سلاح بلاغي يهدف إلى نزع الشرعية الفكرية عن مخاطَب معيّن عبر تقديمه ككيان هجين بلا هوية ثابتة. فالرسالة الضمنية مفادها: “خطابكم ثوري مادي، لكنكم تستترون بالدين لاكتساب شرعية لا تخصكم”.
بهذا يتحول الأوكسيمورون من مجرد مفارقة لغوية إلى أداة تفكيك سياسي.
2. من نقاش تقني إلى سجال هوياتي
انبثقت العبارة داخل نقاش مرتبط بمشروع قانون لتنظيم مهنة العدول، وهو موضوع يفترض أن يكون تقنياً وتشريعياً. لكن السجال انزلق بسرعة نحو تبادل الاتهامات، مما يعكس بنية أعمق:
التحول من التفاصيل القانونية إلى محاكمة النوايا والمرجعيات.
استدعاء الهوية بدل الحجة: إسلامي/ماركسي، أصيل/دخيل، شرعي/غير شرعي.
إضعاف المؤسسة التشريعية حين يتحول البرلمان من فضاء نقاش إلى ساحة تراشق هوياتي.
بهذا تنتصر المناكفة اللفظية على النقاش العملي الذي يمس حياة المواطنين.
3. الخلفية الفكرية: استدعاء مشوّه لإرث “اليسار الإسلامي”
الغريب أن العبارة نفسها لها تاريخ فكري معتبر. فقد قدّم عبد الوهاب المسيري نفسه ذات مرة باعتباره “ماركسياً على سنة الله ورسوله”، في وصف منهجه النقدي الذي يمزج بين أدوات التحليل الاقتصادي الماركسي وقيم الإيمان والمرجعية الأخلاقية.
لكن استدعاء العبارة في البرلمان كان على النقيض من ذلك:
تم توظيفها كسلاح هجائي لا كأداة تحليل.
جرى اختزال مسار فكري معقد إلى نكتة سياسية.
تم التعامل مع التاريخ الفكري بوصفه ذخيرة هجومية وليس مورداً للفهم.
وهذا يعكس مأزقاً في العلاقة بين الثقافة السياسية والموروث الفكري المغربي والعالمي.
4. التحولات داخل الإسلاميين: من الشعار إلى الحكامة
تكشف الحادثة أيضاً عن فجوة بين مضمون خطاب الإسلاميين اليوم والصور النمطية التي ما زال خصومهم يروجونها.
فالإسلاميون المعتدلون في المغرب، وخاصة داخل المؤسسات، لم يعودوا يرفعون شعار “تطبيق الشريعة”، بل يطالبون بـ:
تقاسم عادل للسلطة،
حكم رشيد قائم على النزاهة والكفاءة،
محاربة الفساد،
أن يحكم المغاربة مسؤولون مخلصون، سواء كانوا ماركسيين أو اشتراكيين أو ليبراليين.
لكن الخطاب السجالي يستمر في التعامل معهم كما لو كانوا جماعات سبعينية مغلقة على نفسها. هذه الفجوة بين التحول الواقعي والصورة الخطابية هي إحدى أعراض الأزمة.
5. الأزمة الأعمق: غياب لغة سياسية مشتركة
انتشار العبارة في وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي يوضح هشاشة اللغة السياسية المغربية حالياً:
غياب قاموس مشترك يناقش السياسات بعيداً عن الهويات.
تحوّل النقاش السياسي إلى منافسة رمزية لا إلى تفكير في حلول.
تَشَرذم الخطاب بين معجم ديني وآخر يساري وثالث تكنوقراطي دون القدرة على تركيب لغة وسيطة.
عندما تصبح السياسة ملعباً للنعوت المتفجرة بدل التصورات والبرامج، يصبح من الطبيعي أن تنتشر مثل هذه العبارات بوصفها “ميمات” أكثر منها أدوات للتفكير.
خاتمة: ما الذي تكشفه العبارة عن حاضرنا السياسي؟
إن عبارة “ماركسيون على سنة الله ورسوله” ليست مجرد خروج لفظي، بل مرآة صغيرة تعكس مشهداً سياسياً مأزوماً.
وراء هذه المفارقة اللفظية تختبئ:
أزمة لغة عاجزة عن وصف الواقع المركّب.
أزمة شرعية تستبدل النقاش البرنامجي بصراع على من يحتكر “الأصالة”.
أزمة مؤسسات تجعل من السجال الهوياتي مادة تغطي على النقاش التشريعي الحقيقي.
الخروج من هذا المأزق لا يتطلب تغيير البلاغة فقط، بل إعادة تأسيس النقاش العام على أسس الحكم الرشيد، والمصلحة العامة، والفعالية، والنزاهة، مهما كانت المرجعية الأيديولوجية للأطراف الفاعلة.
فعندما تصبح الكفاءة والصدق والنزاهة هي معيار السياسة، لن يكون مهماً إن كان الفاعل يسارياً أو ليبرالياً أو إسلامياً — بل سيكون المهم ما يقدمه من خدمة للناس. إقرأ المزيد : https://al3omk.com/1122702.html






