الحق ما شهدت به الأعداء
لقد انقلب السحر على الساحر، واكتشف الجزائريون ومعهم مشجعو منتخباتهم الوطنية، أن المغرب بموارده المحدودة استطاع أن يبني ويشيّد وينافس الدول الكبرى في تطوير بنياته التحتية، وتقديم نسخة عالمية للكان. هكذا أدرك الجمهور الجزائري، ومن خلفه شعبه، أن المغرب، بلد الخير والكرم "هرب على الجزائر بألف عام"، وأن "الجزائر لازالت تعيش في سنة 1860" وفق ما تداولته عشرات الصفحات الجزائرية على مواقع التواصل الاجتماعي. الأمر الذي زاد من حنق أعداء النجاح وحسدهم فلجأوا إلى أساليبهم الدنيئة عبر التشويش على التنظيم والتحريض ضد الدولة باستغلال فيضانات آسفي وحركة زد، ثم استفزاز مؤسسات الدولة ومشاعر المغاربة بتمزيق الأوراق النقدية المغربية ونشر الإشاعات المغرضة. وقد بلغ التحريض مداه خلال المقابلة بين المنتخب الوطني ومنتخب السينغال، حيث انتشرت دعاوى التحريض والكراهية ضد الدول الإفريقية وشعوبها وجاليتها والمهاجرين من جنوب الصحراء. إلا أن نضج الشعب المغربي وتشبعه بقيم التسامح وثقافة التعايش والانفتاح، أفشل مخططات الأعداء. لقد تعامل المغاربة بكل نضج مع تلك الدعوات وأقبروها في مهدها لأنهم على وعي تام بمرامي الأعداء ومخططاتهم الخبيثة الرامية إلى إفساد العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والدول الإفريقية، ومن ثم عزله عن عمقه الإفريقي ومجاله الحيوي. موقف المغاربة وردة فعلهم لقيت تنويها من جلالة الملك وإشادة بأن "الشعب المغربي يدرك كيف يميز بين الأمور، ولن يقبل بالانسياق وراء الضغينة والتفرقة. فلا شيء يستطيع أن يمس بالتقارب الذي تم نسجه على مدى قرون بين شعوبنا الإفريقية، ولا بالتعاون المثمر القائم بين مختلف بلدان القارة والذي ما فتئ يتعزز بشراكات أكثر طموحا".
إن المغرب ليس البلد الوحيد الذي يخسر الكأس على أرضه، فقد خسرته بلدان عديدة من كل القارات. والمغرب لم يرهن نجاحه في تنظيم "الكان" بفوزه بالكأس. ولا ينبغي أن تشغلنا التصرفات المشينة خلال المباراة بين المغرب والسينغال عن مستوى الانضباط والتحضر والاحترام في صفوف مشجعي ولاعبي وأطر 21 منتخبا خاضوا منافساتهم بروح رياضية عالية وانسحبوا، بعد هزيمتهم، بكل هدوء. من هنا يكون الحذر واجبا من مخططات تخريب العلاقات الدبلوماسية، والتصدي لها أوجب. وما تلقاه المغرب من رسائل التنويه والإشادة والشكر من عدد من المسؤولين الحكوميين بالدول الإفريقية والعربية، لجدير بالتثمين والاعتبار. وتلك إشارات قوية على كون المغرب يمثل قاطرة للدول الإفريقية نحو التقدم والتطور بفضل ما راكمه ويراكمه من خبرات وتجارب غنية في كثير من المجالات بما فيها الرياضة. وهذه مسؤولية تاريخية وأخلاقية وحضارية على المغرب الوفاء بها تجاه قارته. ولعل التشديد عليها في بلاغ الديوان الملكي، يؤكد مركزيتها في السياسة الخارجية للمغرب "فإن المغرب سيواصل التزامه الراسخ والثابت لفائدة إفريقيا موحدة ومزدهرة، لاسيما عبر التقاسم المشترك لتجاربه وخبرته ومهاراته". ذلك أن النهج المتزن والرصين الذي يعتمده المغرب في علاقاته أهّلَه ليحتل المركز 66 من بين 193 دولة وفق التقرير السنوي لمؤسسةBrand Finance . وهذا مؤشر على مصداقية السياسة الخارجية للمغرب. ووفاء لأهداف وأسس هذه السياسة، علينا ألا ننسى أن 23 دولة إفريقية فتحت قنصلياتها سواء في مدينة العيون أو في مدينة الداخلة، كمبادرة منها وقرار بدعم السيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية المسترجعة. إنها خطوة هامة من هذه الدول إلى جانب قرار غالبية الدول الإفريقية الداعم لمقترح الحكم الذاتي والمعترف بمغربية الصحراء. وأيا كانت نتائج المنافسات الرياضية القارية، فإن المصالح العليا للوطن تعلو فوق كل الاعتبارات.






