تحليل

من تدبير الندرة إلى إدارة الوفرة: نحو تعاقد مائي جديد بالمغرب

رضوان اعميمي

يشكل الانتقال الذي يشهده المغرب من سنوات متتالية من الجفاف الحاد إلى مرحلة تميّزت بوفرة نسبية في التساقطات المطرية لحظة مفصلية في مسار السياسات المائية والبيئية. فهي ليست مجرد تحوّل ظرفي في المعطيات المناخية، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة والمجتمع على الانتقال من منطق تدبير الندرة إلى منطق إدارة الوفرة، بما يضمن الاستدامة، ويحدّ من المخاطر، ويحوّل الماء إلى رافعة فعلية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

أولا: وفرة التساقطات… نعمة مشروطة بحسن التدبير

أظهرت التجربة الدولية، كما التجربة الوطنية، أن وفرة الموارد الطبيعية لا تعني بالضرورة تحقيق التنمية، بل قد تتحول، في غياب الحكامة، إلى مصدر للهشاشة والمخاطر. فالتساقطات الغزيرة، رغم أهميتها في إعادة تغذية الفرشات المائية ورفع منسوب السدود، تطرح في الآن ذاته إشكالات الفيضانات، وانجراف التربة، وتضرر البنيات التحتية، خصوصا في المجالات القروية وشبه الحضرية.

من هنا، يصبح الرهان الأساسي هو الانتقال من منطق “الاستفادة الظرفية” إلى منطق التدبير المندمج للمخاطر والموارد، عبر الاستثمار في آليات التخزين، والتحكم، والتوزيع الذكي للمياه، بدل الاكتفاء بردود الفعل الآنية.

ثانيا: تحيين البنيات التحتية في ضوء الواقع المناخي الجديد

تفرض التحولات المناخية، بما تحمله من تقلب وعدم استقرار في الظواهر الطبيعية عموما والجوية على وجه التحديد، إعادة النظر في تصاميم البنيات التحتية المائية والطرقية والحضرية. فالسدود، وقنوات تصريف المياه، وشبكات التطهير، لم تعد مجرد تجهيزات تقنية، بل عناصر أساسية في منظومة الأمن البيئي والمجالي.

وقد يتطلب الأمر في هذا السياق (بعد اجراء الدراسات التقنية اللازمة):

• تحيين معايير بناء السدود لتستوعب فترات الجفاف والفيضانات معا.

• تعزيز البنيات الوقائية في المدن المتوسطة والصغرى.

• إدماج مقاربة “المرونة المناخية” في التخطيط العمراني والقروي.

ثالثا: السياسات العمومية بين الاستمرارية والتكيّف

رغم الانتقادات التي طالت بعض الاختيارات، فإن سياسة بناء السدود، وتحلية مياه البحر، والرهان على الهيدروجين الأخضر، تظل اختيارات استراتيجية بعيدة المدى، لا ينبغي التراجع عنها بسبب تحسن ظرفي في التساقطات. غير أن هذا الواقع الجديد يفرض تحيين هذه السياسات حتى لا تظل أسيرة منطق الأزمة الدائمة.

فتحلية المياه، مثلا، ينبغي أن تندمج ضمن رؤية ترشيدية، تراعي الكلفة المالية والبيئية، وتستثمر الوفرة المطرية لتخفيف الضغط الطاقي. كما أن مشاريع الهيدروجين الأخضر تظل رهانا استراتيجيا شريطة ربطها بتدبير عقلاني للماء، باعتباره عنصرا نادرا حتى في زمن الوفرة.

رابعا: الحكامة المالية وسؤال الاستدامة

لا يمكن الحديث عن إدارة عقلانية للفائض المائي دون استحضار الحكامة المالية. فالاستثمار في البنيات التحتية، والوقاية من المخاطر، وتوسيع الخدمات المائية، يتطلب موارد مالية ضخمة وحسن ترتيب للأولويات.

ومن ثم، فإن المرحلة تفرض المزيد من:

• عقلنة النفقات العمومية المرتبطة بالماء.

• تعزيز الشفافية في تمويل المشاريع الكبرى.

• توجيه الاستثمار نحو الوقاية بدل الاكتفاء بتدبير الكوارث بعد وقوعها.

خامسا: المجال القروي… من الهشاشة إلى إعادة الاعتبار

تشكل هذه المرحلة فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للمجالات القروية،، التي كانت أول المتضررين من سنوات الجفاف، في اتجاه إعادة التوازن المجالي. فوفرة المياه يمكن أن تشكل أساسا لإعادة بعث الدينامية الفلاحية، وتشجيع الاستقرار السكاني، وانبثاق طبقة وسطى فلاحية قادرة على لعب أدوار اقتصادية واجتماعية محورية.

غير أن هذا الرهان يقتضي التركيز على:

• دعم الفلاحة المستدامة بدل الزراعات المستنزِفة للماء.

• تمكين الفلاحين الصغار من الولوج إلى التقنيات الحديثة.

• ربط التنمية القروية بالعدالة المجالية وليس فقط بالإنتاجية.

وهكذا، يمكن القول أن الانتقال من سنوات الجفاف إلى مرحلة الوفرة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية أزمة، بل بداية مرحلة جديدة من التعقيد. مرحلة تتطلب تعاقدا مائيا جديدا، يقوم على الاستباق، والاستدامة، والحكامة، وربط الماء بالتنمية والعدالة المجالية.

فالمغرب اليوم مدعو ليس فقط إلى تدبير الماء، بل إلى تدبير المخاطر المرتبطة به، وتحويل التغير المناخي من تهديد دائم إلى فرصة لإعادة بناء نموذج تنموي أكثر مرونة وإنصافا.