سياسة واقتصاد

ملاحظات على هامش الوطن (ج1) المواطن.. الحلقة (3): المواطن الذي تعلم أن يخفض سقف توقعاته

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

أعتقد أن أحد أهم التحولات الصامتة التي حدثت في المغرب خلال السنوات الأخيرة لا يتعلق بالمؤسسات، بل بتوقعات المواطن نفسه. لم يعد ينتظر من السياسة ما كان ينتظره منها سابقا. ليس لأنه فقد الاهتمام الكامل، بل لأنه أعاد تقييم ما يمكن أن تمنحه له فعلا.

في مرحلة سابقة، كان هناك اعتقاد واسع بأن التغيير السياسي يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية. كانت الانتخابات، وتغيير الحكومات، وصعود أحزاب جديدة، ترتبط في الوعي العام بإمكانية حدوث تحسن ملموس. هذا الاعتقاد لم يكن دائما مبنيا على نتائج فعلية، لكنه كان قائما كإطار نفسي يحدد علاقة المواطن بالسياسة.

تدريجيا، بدأ هذا الإطار يتغير.

مع مرور الوقت، لاحظ المواطن أن السياسات العمومية الكبرى تسير وفق منطق استمرارية واضح، بغض النظر عن هوية الحكومة. لاحظ أيضا أن هامش المناورة المتاح للفاعل الحزبي محدود بعوامل بنيوية: توازنات اقتصادية، التزامات دولية، وأولويات استراتيجية لا تتغير بتغير الأغلبية.

هذا لا يعني أن الحكومات بلا دور، لكنه يعني أن قدرتها على إحداث تحولات جذرية ظلت أضيق مما كان يتصور.

نتيجة لذلك، بدأ المواطن يميز، بشكل غير معلن، بين مستويين: مستوى الدولة، حيث تُتخذ القرارات الكبرى، ومستوى السياسة، حيث يتم تدبير جزء من هذه القرارات. هذا التمييز كان له أثر مباشر على حجم التوقعات.

لم يعد المواطن ينتظر تحولا شاملا، بل صار ينتظر إدارة أقل كلفة للواقع القائم.

يمكن ملاحظة هذا التحول في ردود الفعل العامة. الوعود الكبيرة لم تعد تُستقبل بالحماس نفسه، والنقاشات السياسية لم تعد تُبنى على افتراض تغيير جذري، بل على تقييم قدرة الفاعلين على التدبير.

بمعنى آخر، انتقل المواطن من موقع المنتظر لتغيير، إلى موقع المتابع لأداء.

هذا التحول يعكس نوعا من النضج الواقعي، لكنه يعكس أيضا تراجعا في الثقة بقدرة السياسة على لعب دور تحويلي. السياسة، في نظر جزء مهم من المواطنين، لم تعد الأداة الرئيسية لتغيير شروط الحياة، بل أحد العوامل المؤثرة فيها فقط.

المفارقة أن هذا يحدث في سياق يتسم باستقرار مؤسساتي واضح. لكن الاستقرار، حين يستمر لفترة طويلة بنفس القواعد، ينتج أثرا جانبيا: يجعل المستقبل يبدو امتدادا للحاضر، لا قطيعة معه.

وهنا تحديدا، يتشكل المواطن الذي تعلم أن يخفض سقف توقعاته.

ليس لأنه توقف عن الأمل تماما، بل لأنه صار يعرف، بقدر أكبر من الواقعية، أين يبدأ دور السياسة… وأين ينتهي..