لم يعد ممكنا النظر إلى الإعلام باعتباره مجرد قطاع مهني يعيش على هامش الدولة، أو فضاء للنقاش العمومي ينشغل بتفاصيل الداخل وحده. العالم تغيّر بعمق. الدول اليوم لا يتم استهدافها فقط عند حدودها الجغرافية، بل عند حدود صورتها. لم تعد السيادة تُقاس بما تملكه الدول من سلاح فقط، بل أيضا بما تملكه من قدرة على حماية روايتها.
في هذا التحول الصامت، يبدو المغرب وكأنه دخل مرحلة استراتيجية دقيقة، دون أن يحسم بعد في سؤال بسيط وخطير: ما هو موقع الإعلام ضمن منظومة سيادته؟
لقد استثمر المغرب خلال العقدين الأخيرين في بناء عناصر قوته الصلبة. بنى طرقا وموانئ، عزز حضوره الدبلوماسي، رسخ موقعه الأمني كشريك موثوق، ووسع مجاله الحيوي في عمقه الإفريقي. غير أن عنصراً آخر ظل يتحرك بوتيرة مختلفة، أقل وضوحا، وأقل حسما: بناء القوة السردية.
القوة السردية ليست ترفا فكريا. إنها القدرة على تعريف الذات أمام العالم، وعلى منع الآخرين من تعريفك نيابة عنك. إنها الجدار غير المرئي الذي يحمي المعنى قبل أن يحمي الصورة.
في غياب هذه العقيدة الإعلامية الواضحة، نشأ فراغ. والفراغ في مجال الرواية لا يدوم. سرعان ما يتحول إلى مساحة مفتوحة لكل التأويلات، ولكل السرديات المنافسة، ولكل القراءات التي قد لا ترى في المغرب ما يراه هو في نفسه.
المفارقة أن المغرب يوجد اليوم في قلب معارك سردية حقيقية، تتقاطع فيها السياسة بالتاريخ، والجغرافيا بالإعلام، والمصالح بالتمثلات. ومع ذلك، ما يزال التعامل مع الإعلام يتم في كثير من الأحيان بمنطق القطاع، وليس بمنطق الوظيفة الاستراتيجية.
هذا الوضع خلق ارتباكا صامتا. الصحافة المغربية تجد نفسها مطالبة بأدوار متعددة دون أن تتوفر دائما على الأفق الذي يمنح هذه الأدوار معناها الكامل. فهي مطالبة بأن تكون سلطة رقابية، وهذا جوهرها. ومطالبة أيضا بأن تدافع عن صورة بلدها في عالم يتغير بسرعة، دون أن يتحول هذا الدفاع إلى وظيفة دعائية تفقدها مصداقيتها.
بين هذين الحدين، تتشكل منطقة رمادية. منطقة لا هي محددة بالكامل، ولا هي مؤطرة برؤية وطنية واضحة المعالم.
المشكل هنا لا يتعلق بكفاءة الصحفيين، ولا بوطنيتهم، ولا حتى بإمكانياتهم. المشكل يتعلق بشيء أعمق: غياب تعاقد وطني صريح حول معنى الإعلام في هذه المرحلة من تاريخ المغرب.
هل الإعلام مجرد مرآة تعكس ما يقع داخل المجتمع؟ أم هو أيضا أحد الأدوات التي تساهم في حماية موقع المغرب داخل عالم شديد التنافس على المعاني؟
إن الدول التي أدركت طبيعة التحولات الجارية، لم تترك هذا السؤال معلقا. حسمته ضمن ما يمكن تسميته بالعقيدة الإعلامية. ليس بمعنى التحكم في الصحافة، بل بمعنى إدراك وظيفتها ضمن التوازن العام للدولة.
أما في المغرب، فما يزال السؤال مفتوحاً.
ربما لم يعد النقاش الحقيقي هو كيف ندعم الصحافة، بل كيف نحدد موقعها ضمن تصور وطني شامل. لأن الدعم، مهما كان حجمه، لا يعوض غياب الرؤية. والوسائل، مهما توفرت، لا تخلق المعنى.
في النهاية، أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة، ليس أن تتعرض للهجوم، بل أن تجد نفسها غائبة عن رواية نفسها.
الدول التي لا تبني عقيدتها الإعلامية، تجد نفسها، عاجلاً أو آجلاً، تعيش داخل روايات الآخرين..






