يحل الثامن من مارس من كل سنة، ذكرى اليوم العالمي للمرأة، محملا برسائل تتجاوز طقوس الإحتفال والتهنئة، فهذه المناسبة ليست مجرد محطة رمزية، بل فرصة لمساءلة الواقع واستحضار التحديات التي ما تزال تواجه النساء في عدد من المجالات.
وفي المغرب، يفرض موضوع المرأة في العالم القروي والجبل نفسه بقوة كلما حل هذا الموعد السنوي.
فالمرأة القروية المغربية ليست مجرد عنصر داخل الأسرة، بل هي فاعل اقتصادي واجتماعي أساسي، فهي تشتغل في الحقول، وتشارك في تربية الماشية، وتسهم في تثمين المنتوجات المحلية والحفاظ على التراث الحرفي والغذائي للمناطق الجبلية والقروية، ورغم هذا الحضور القوي في الحياة اليومية، فإن الكثير من جهودها ما يزال غير مرئي اقتصاديا، ولا ينعكس دائما في شكل اعتراف أو تمكين فعلي.
من هنا تبرز أولى العبر التي يطرحها 8 مارس في السياق المغربي: لا تنمية حقيقية دون إنصاف المرأة القروية. فالتفاوتات المجالية التي تعرفها بعض المناطق ليست مجرد أرقام في تقارير التنمية، بل هي واقع تعيشه نساء يقطعن مسافات طويلة للوصول إلى الماء أو الخدمات الصحية، ويواجهن تحديات في التعليم والتكوين وفرص الشغل.
ويظل التعليم والتكوين من أهم المفاتيح لتمكين النساء في العالم القروي والجبل، فكلما توفرت للفتيات فرص أفضل للتمدرس والتكوين المهني، ازدادت قدرتهن على تحسين أوضاعهن الإقتصادية والإجتماعية، غير أن بعض المناطق القروية لا تزال تعاني من تحديات مرتبطة ببعد المؤسسات التعليمية أو ضعف البنيات التحتية، وهو ما يؤدي أحيانا إلى الهدر المدرسي، خصوصا في صفوف الفتيات، لذلك فإن تعزيز التعليم في العالم القروي، وتوسيع برامج التكوين المهني الموجهة للنساء، يشكلان ركيزة أساسية لخلق جيل من النساء القادرات على المساهمة الفعالة في التنمية المحلية وصنع التغيير داخل مجتمعاتهن.
لقد خطا المغرب خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة في مجال دعم المرأة القروية، خاصة عبر برامج التنمية المحلية والتشجيع على إنشاء التعاونيات النسائية.
كما لعبت "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، سنة 2005، دورا بارزا في دعم مشاريع مدرة للدخل لفائدة النساء، ومواكبة التعاونيات القروية، وتمكين عدد كبير منهن من الولوج إلى فرص اقتصادية جديدة.
غير أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في إطلاق المشاريع، بل في ضمان استدامتها وربطها بالأسواق والتكوين المستمر، حتى تتحول المبادرات المحلية إلى رافعة فعلية للتنمية الإقتصادية والإجتماعية في القرى والمناطق الجبلية.
إن الدرس الأبرز الذي تطرحه ذكرى 8 مارس هو أن تمكين المرأة القروية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد ملف اجتماعي، بل كخيار استراتيجي لتنمية البلاد، فكل تجربة ناجحة لامرأة قروية في تعاونية أو مشروع صغير تعني أسرة أكثر استقرارا، وقرية أكثر حيوية، ومجتمعا أكثر توازنا.
وفي الأخير يجب التأكيد على أن تكريم المرأة في هذا اليوم لا يقاس بعدد الكلمات أو الإحتفالات، بل بمدى القدرة على تحويل الإعتراف الرمزي إلى سياسات واقعية تحسن ظروف العيش وتفتح آفاقا جديدة أمام نساء القرى والجبال، فحين تنصف المرأة القروية، فإن المغرب كله يخطو خطوة إضافية نحو تنمية أكثر عدلا وإنصافا.






