فن وإعلام

وثيقة استخباراتية تكشف كواليس التفاوض على أسرى مغاربة في حدود جزيرة باديس وعن استقرار سلطة مولاي سليمان عام 1792 (الحلقة 21)

أحمد الدافري (إعلامي)

تكشف المراسلات الاستخباراتية الصادرة عن حاكم "جزيرة باديس" وحاكم مليلية خلال شهري نوفمبر وديسمبر 1792، والمودعة بالأرشيف العام العسكري بمدريد، عن تفاصيل دقيقة لعملية تفاوضية ميدانية جرت في منطقة الريف، تزامنت مع تحولات سياسية حاسمة في العمق المغربي.


 وتتمحور هذه الوثائق في شقها الميداني حول مساعي القاضي الشريف مولاي إبراهيم لاستعادة أربعة حراس مغاربة سقطوا في الأسر الإسباني عند موقع استراتيجي كان يُعرف حينها بـاسم "نقطة البابة".

 وقد جاء في نص المراسلة الأصلية باللغة الإسبانية ما يلي :

"...el Cadí de la Alcazaba del Campo fronterizo se ha presentado en la Plaza en nombre del Cherif Muley Brahem, solicitando q.e a cambio de Ganado se le entreguen los quatro moros q.e en el año proximo pasado fueron apresados estando de Guardia en la punta de la Baba"

وترجمته هي :

مثل قاضي قصبة المعسكر الحدودي أمام الساحة باسم الشريف مولاي إبراهيم، طالباً أن يتم تسليمه، مقابل مواشٍ، المغاربة الأربعة الذين قُبض عليهم في العام الماضي بينما كانوا في نوبة حراسة عند نقطة البابة.


تُبرز هذه المعطيات جانباً من "دبلوماسية الحدود" والمقايضة الميدانية التي كانت سائدة عند الثغور، حيث عُرضت "المواشي" كفدية لاسترداد الأسرى الذين نُقلوا من مالقة إلى ترسانة قرطاجنة بموجب أوامر ملكية إسبانية. 


كما تستعرض الأوراق الملحقة قائمة بأسماء الفريق العسكري الإسباني الذي نفذ عملية الأسر ونال تزكية الحاكم، ومن بينهم المساعد "بيدرو فيان" والمترجم "فرانسيسكو راميريز". 


وتؤكد التقارير اللاحقة المؤرخة في 8 نوفمبر 1792 أن هؤلاء الأسرى لم يكن غيابهم ليؤثر على خدمة ملك المغرب، لكونهم حراساً "بائسين" في ذلك الموقع، مقترحة الموافقة على مقايضتهم بالماشية لدعم مؤونة الحصن الإسباني. 


وقد ورد في الملحق ما يلي :

"la aprension de los quatro moros se verificó... el dia 18 de Julio del año proximo pasado... si V.M. fuere servido de condescender a la entrega... podrá verificarse dándolo a cambio de Ganado p.a el socorro de aquel Presidio"

وترجمته هي :

إن القبض على المغاربة الأربعة قد تم في يوم 18 يوليو من العام الماضي. وإذا تفضل جلالتكم بالموافقة على التسليم الذي طلبه القاضي في القصبة باسم مولاي إبراهيم، فيمكن تنفيذ ذلك مقابل ماشية لدعم ذلك الحصن.


وعلى مستوى السلطة المركزية، ترصد التقارير الاستخباراتية الواردة من مليلية في نهاية عام 1792 الاستقرار النهائي لحكم السلطان المولى سليمان، حيث تؤكد مراسلات ديسمبر وصوله إلى مدينة فاس واعتراف كافة أرجاء البلاد به ملكاً، وتسلمه كنوز والده التي كانت محفوظة هناك. 


وفي المقابل، تبرز الوثائق حالة الانكسار التي أصابت خصمه المولى مسلمة في منفاه بالجزائر، حيث بدأ داي الجزائر يعامله بازدراء بعد انشغاله بجبهات أخرى.


 وقد جاء في تقرير بتاريخ 31 ديسمبر 1792 ما يلي :

"se confirma estar Muley Soliman en Fez reconocido por Rey de todo el Pais; que se le han entregado los Tesoros de su Padre... se afirma q.e Muley Selema se mantiene in Argel, y que el Dey le trata con desprecio"


وترجمته هي :

"تأكد تواجد مولاي سليمان في فاس معترفاً به ملكاً في كل البلاد؛ وقد سُلمت له كنوز والده.. ويُؤكَّد أن مولاي مسلمة لا يزال في مدينة الجزائر، وأن الداي يعامله بازدراء'.


وتُختم المراسلات برصد تحركات اجتماعية سلطانية، مشيرة إلى أن المولى سليمان أرسل في طلب والدته من مكناس لتلتحق به في العاصمة العلمية فاس، مما يعكس طي صفحة الاضطرابات والانتقال إلى مرحلة بناء الدولة. 


وتظل هذه الأوراق المودعة في المجلد رقم 7318 شاهداً حياً على كواليس إدارة الأزمات الحدودية والتحولات السياسية الكبرى التي صاغت بداية عهد السلطان المولى سليمان.


◾️المرجع التوثيقي للحلقة 21:

 * الأرشيف: الأرشيف العام العسكري - مدريد (Archivo General Militar de Madrid - SGU).

 * المجلد (Legajo): 7318.

 * المصدر: تقارير حاكم صخرة باديس وحاكم مليلية (Noticias del Peñon y Melilla).

 * التاريخ: من 8 نوفمبر إلى 31 ديسمبر 1792م