كان يمكن أن أقضي مرارا .. إما مدهوسا تحت عجلات الشاحنات الكبيرة التي كنا نتسلقها صاعدة من المحجر الكبير إلى الميناء عابرة في طريقها بيوتنا التي من قش وطين ..
أو غريقا في النهر .. الذي كنا نذرعه سباحة جيئة و إيابا لنصطاد السلطعون و نشويه على نار نوقدها من رعاشنا مبللين تحت ريح نونبر الباردة .. أو لنسرق عرانيس الذرة من حقول الفلاحين ..
كان يمكن أن يتخطفني من بين أهلي و أنا بعد رضيعا أخطأت الممرضة فغرزت في جلده الرخو شوكة بمصل فاسد .. أو بضربة شمس ..
نعم .. لقد كان دائما يترصدني .. في كل ناصية .. في كل انعطافة .. و على كل درب ..
في كل مرة أحصي المرات التي نجوت فيها من موت محقق أذهل .. و أقول في خاطري مازحا .. عمر الشقي باقي .. ثم أسأل .. يا ترى .. كم بقي لي .. بدوري لأغادر ..
لقد هيأت حقيبة السفر .. ووضعت فيها ما اعتقدت إنه يلزم .. بضع وصايا .. و كتب .. وقليل من رائحة المطر .. و بقجة ذكريات لا تصلح لأحد .. إلا لي .. أفتحها كلما هاجت علي عواصف الحنين .. بلا ضغينة .. بلا أسف على أي شيء .. و دونما حسرة أو ندم ..
نعم .. فمع جبني لا أخشى الموت .. لا أعرف كيف ولكنني حقا لا أهابه .. ولقد تعرفت عليه منذ تلك اللحظة التي ولدت فيها .. وصار قريني الذي لا يبارحني ..
يا لطالما حاورته .. وحاورني .. نادمته ونادمني .. سامرته وسامرني .. على طاولة في حان .. أو هاجعا بقربي .. و أنا أطالع كتابا .. أو أنصت لأغنية ..
ألومه فيضحك .. أسبه فلا يبالي .. الجبان ..
أقول له .. لقد خطفت كثيرين من أحبتي .. ما أخسك من وضيع .. و مع هذا يتبسم في وجهي .. ليغيظني أكثر ..
أقول له لماذا و إلى أين تأخذنا ؟!
فيجيب بمكر ..إلى حيث الطمأنينة ..
وعندما أنهره متحديا .. خذني إذن من قلقي .. يضحك بهزء .. ثم يغيب ..
الجبان !
و في الحقيقة .. نحن لا نخشى الموت أكثر من الوحدة .. و أكثر من الفقدان ..
ما نخشاه حقا .. أكثر من أي شيء .. هو الخذلان !






