في هذا السياق، يأتي التغير التدريجي في خطاب جبهة البوليساريو، الذي بات يلمّح إلى أن خيار “الاستقلال” لم يعد الخيار الوحيد المطروح، ليعكس قبل كل شيء حجم التحولات التي فرضها الواقع الجديد، أكثر مما يعكس مبادرة إرادية ذاتية. إنها لحظة إعادة تموضع داخل معادلة دولية جديدة، تتشكل ملامحها خارج منطق الجمود التقليدي.
لقد أصبح واضحاً أن المجتمع الدولي، وخاصة القوى المؤثرة، لم يعد يتعامل مع هذا النزاع باعتباره مواجهة مفتوحة بين مشروعين متناقضين، بقدر ما ينظر إليه كملف يتطلب حلاً عملياً قابلاً للتطبيق يحفظ الاستقرار ويضمن التنمية ويستجيب لمتطلبات السيادة والوحدة الترابية للدول.
ضمن هذا التحول، برز المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره الإطار الأكثر جدية وواقعية، ليس فقط لأنه يحظى بدعم متزايد من أطراف دولية وازنة، بل لأنه يقدم تصوراً متكاملاً يوفق بين وحدة الدولة المغربية وبين تدبير محلي موسع يضمن المشاركة السياسية والتنمية الاقتصادية لأبناء الأقاليم الجنوبية.
إن ما يميز المبادرة المغربية أنها لم تُطرح كشعار سياسي، بل كتصور مؤسساتي قابل للتنفيذ، ينسجم مع التجارب الدولية الناجحة في تسوية النزاعات الترابية، حيث يتم تجاوز منطق “الكل أو لا شيء” نحو حلول وسط متقدمة تضمن الاستقرار وتغلق أبواب التوتر.
وفي المقابل، فإن التحولات التي يشهدها الخطاب المقابل تعكس بوضوح أن هامش المناورة السياسي يتقلص تدريجياً أمام ترسخ قناعة دولية مفادها أن حل النزاع خارج إطار السيادة المغربية لم يعد خياراً واقعياً، وأن الاستمرار في إعادة إنتاج الطروحات القديمة لم يعد يجد صدى في البيئة الدولية الحالية.
الأهم من ذلك أن الدعم الدولي المتزايد للمبادرة المغربية لم يعد مجرد مواقف دبلوماسية ظرفية، بل بدأ يتبلور كاتجاه استراتيجي داخل دوائر القرار الكبرى، التي ترى في مقترح الحكم الذاتي قاعدة توازن بين الشرعية السياسية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي في شمال إفريقيا والساحل.
إننا أمام لحظة مفصلية في تطور هذا الملف:
لم تعد المسألة مرتبطة بتعدد الخيارات النظرية، بل بترسيخ خيار واحد يفرض نفسه تدريجياً كحل جدي وواقعي ومقبول دولياً.
وفي هذا السياق، تبرز المبادرة المغربية للحكم الذاتي ليس كأحد الحلول الممكنة، بل كـالإطار الوحيد القادر على تحويل هذا النزاع من حالة تجاذب مزمن إلى مسار تسوية نهائية ومستدامة.
إن التاريخ السياسي لهذا الملف يدخل مرحلة جديدة عنوانها الوضوح:
الواقعية تتقدم، والدعم الدولي يتوسع، ومبادرة الحكم الذاتي تترسخ باعتبارها قاعدة الحل المقبلة.






