العمارة ولغة المكان
العمارة ليست علما للحسابات فقط، بل هي أيضا فن إدارة النظر وتوجيه الإحساس. فالبناء الذي يقام على أرض مرتفعة لا يظهر كما يظهر البناء المنبسط في سهل أو سفح، لأن العين لا ترى الأرقام بل ترى التكوين العام للمشهد. ومن هنا نفهم كيف تبدو صومعة حسان، وهي قائمة فوق هضبة مرتفعة، أكثر بروزا من برج محمد السادس الذي يقوم في موضع أخفض نسبيا. هذه الحقيقة البصرية لا يمكن إختزالها في مقولة الصدفة، لأن المكان نفسه جزء من التصميم، والإرتفاع الطبيعي جزء من أثر العمارة. فحين يختار البناء موضعا بعينه، فهو لا يضع جدارا فقط، بل يحدد أيضا كيف سيرى هذا الجدار، ومتى، ومن أي جهة، وبأي معنى. ومن ثم فإن العلاقة بين العمارة والمجال ليست علاقة إحتضان مادي فحسب، بل هي علاقة دلالية تجعل للموقع سلطة على المعنى، وللأفق دورا في صناعة الهيبة والرمزية.
صومعة حسان والرمز التاريخي
صومعة حسان ليست مجرد برج من الحجارة، بل هي شاهد من شواهد التاريخ الموحدي، وملمح من ملامح الشخصية المغربية في علاقتها بالعمارة الإسلامية. لقد أراد لها مؤسسوها أن تكون علامة بارزة للعاصمة، ترفع شأن المسجد وتمنحه حضورا يتجاوز وظيفته التعبدية إلى وظيفة رمزية وحضارية. ولهذا بقيت الصومعة، رغم عدم إكتمال المسجد، حاضرة في الوجدان المغربي كأنها عنوان للعظمة المعلقة، أو كأنها أثر يذكر بالمشروع الكبير الذي لم يكتمل جسدا، لكنه إكتمل معنى. وهذا النوع من الرمزية لا تخلقه الأحجار وحدها، بل يخلقه الموضع، والضوء، والفراغ المحيط، والذاكرة الجماعية التي تناقلته عبر القرون. فالمعلم التاريخي لا يعيش بطوله فقط، بل بما يختزنه من سرديات، وما يوقظه في النفوس من إحساس بالإنتماء والإستمرار.
البرج الحديث ومشهد التحول
أما برج محمد السادس، فهو يمثل وجها آخر للرباط، وجها حديثا يرتبط بالتوسع العمراني، بالإقتصاد المعاصر، وبسعي المدينة إلى أن تكون حاضرة في خريطة العصر بملامح جديدة. فهو برج شاهق، حديث التصميم، واسع الدلالة، ويعبر عن مرحلة مختلفة من تاريخ المدينة، مرحلة لم تعد فيها العمارة مجرد رمز ديني أو سلطاني، بل صارت أيضا لغة تنموية وإستثمارية وحضرية. ومع ذلك، فإن هذا الحضور الجديد لا يلغي المعلم القديم، بل يضعه في حوار معه. فالعمران هنا لا يقوم على الإلغاء، بل على التراكب؛ ولا يسعى إلى محو الذاكرة، بل إلى وضعها في مواجهة الحاضر حتى يتبين الفرق بين ما يبنى ليظل شاهدا، وما يبنى ليكون علامة على زمنه. وهكذا يغدو البرج الحديث إمتدادا لتحول المدينة، لا قطيعة مع جذورها.
هل هو صدفة أم تخطيط؟
حين نتأمل العلاقة البصرية بين الصومعة والبرج، يصعب القول إنها مجرد مصادفة. فالمواضع لا تختار عبثا، والإرتفاعات الطبيعية لا تهمل في المدن ذات الذاكرة العميقة. والأرجح أن من شيد صومعة حسان كان واعيا بقوة الموقع، وبأن البناء المرتفع على الهضبة سيغدو أكثر هيبة من بنية أعلى منه في الحساب لكنها أدنى منه في المشهد. وهذه من دقائق التخطيط العمراني الذي يجمع بين الذوق والوظيفة والرمز. ولذلك فإن ما نراه اليوم من تفوق بصري للصومعة ليس خداعا للعين فقط، بل هو نتيجة إختيار عمراني ذكي، جعل المعلمة القديمة تبقى عالية في نظر الناس، حتى بعد ظهور الأبراج الحديثة من حولها. فالمشهد الحضري في جوهره ليس جمعا آليا للبنايات، بل ترتيب واع للعلاقات بينها.
دلالة روحية وحضارية
في النهاية، لا ينبغي أن نقرأ هذا التناقض الظاهري بين الصومعة والبرج بوصفه سباقا في الطول، بل بوصفه حوارا بين معنيين: معنى الجذور ومعنى الإمتداد. فصومعة حسان تقول إن للمدينة قلبا تاريخيا وروحا دينية لا يبهتان، وبرج محمد السادس يقول إن الرباط قادرة على أن تدخل العصر بوجه معماري جديد. وبين الإثنين تقوم حقيقة أعمق: أن المدن العظيمة لا تقاس بما فيها من أبراج فقط، بل بما تحفظه من رموز. ولهذا ستظل صومعة حسان، مهما إرتفعت الأبراج من حولها، معلمة تتجاوز الحجر إلى المعنى، وتتجاوز الإرتفاع إلى الهيبة، وتتجاوز الزمن إلى الذاكرة. ومن هنا تنبع عظمة الرباط: من قدرتها على أن تجمع بين الشاهد التاريخي والرمز الحديث في مشهد واحد، دون أن تفقد ذاتها أو تتنكر لذاكرتها.






