رأي

محمد كرم: ملاحظات لا جديد فيها

"هذه بادرة طيبة تستحق التنويه، و جزى الله الواقفين وراءها خير الجزاء."

هكذا قلت في قرارة نفسي عندما لاحظت بأن القائمين على شؤون مجموعة من المدن المغربية أبوا خلال السنوات الأخيرة إلا أن يجهزوا جزءا من رصيف شارع أو شارعين بوسط مدنهم بمربعات إسمنتية أو من السيراميك مزودة بنتوءات مدروسة لمساعدة ذوي الإعاقة البصرية على توجيه خطاهم بما يكفل انسياب سيرهم و سلامة أجسادهم.

طبعا لا ينكر أهمية هذا الصنيع إلا جاحد خاصة و أن هشاشة المستهدفين لا تحتاج إلى دليل و حاجتهم إلى من يساعدهم على التنقل يتفهمها الجميع. لقد راقت لي هذه الالتفاتة التي وجدت فيها كوكتيلا متكاملا اجتمع فيه الإبداع الخدماتي و الحس الإنساني و التفكير السليم و سمو الهدف و جودة الإنجاز.

لكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن، ماذا عن الأرصفة الأخرى بباقي الأحياء و بشكل خاص بالحواضر المتوسطة و الكبرى حيث الشوارع تعد بالعشرات و الأزقة تعد بالمئات ؟ أليس من حقي أن أحول نظراتي من نصف الكأس المملوء إلى النصف الفارغ عندما ينتهى الإعجاب و تبدأ التساؤلات في فرض حرقتها علي ؟ ألسنا هنا أمام فقاعة بكل ما في الكلمة من معنى ؟ أليست هذه مسرحية سخيفة الهدف منها ذر الرماد في العيون ليس إلا ؟

قد يقول قائل : إن المربعات إياها على محدودية المسافة التي تغطيها أفضل من لا شيء. أقول لهذا القائل : بل "لا شيء" أفضل من التوهم بأننا أسدينا خدمات أو قمنا بإنجازات أو أنقذنا حيوات. على المبادرات و التحركات أن تكون واقعية و بأهداف بعيدة المدى و برزنامة مضبوطة حتى تكون الخدمة المقدمة متاحة على النحو الأمثل و رهن إشارة أكبر عدد ممكن من المستفيدين. العناية بالمعاقين لا تكون بالالتفاتات الرمزية أو بالخدمات المتقطعة أو المؤقتة أو المناسباتية. العناية بهم من المفروض أن تكون التزاما دائما و منتظما... و يظل السراب سرابا في نهاية الطريق.

و قد ذكرني هذا الإنجاز المبتكر بإنجاز مماثل بمعنى من المعاني، و يتعلق الأمر بتشغيل حافلات كهربائية على طول شارع واحد بمراكش على هامش احتضان المدينة الحمراء في العام 2016 لفعاليات "كوب 22" و ذلك في محاولة من الحكومة المغربية و بلدية المدينة لتأكيد التزامهما أمام العالم بالمحافظة على البيئة من خلال تقليص نسبة انبعاث الغازات السامة التي تنفثها عوادم العربات في اتجاه سماء البلاد و كأن من شأن إحداث خط حافلة وحيد بمدينة واحدة أن يفي بالغرض و يحقق المراد و يجعل من المغرب مثالا يحتذى به في هذا الموضوع.

إن حاجيات ذوي الهمم كثيرة جدا و متنوعة بتنوع تصنيفاتهم، و مشاكلهم مشاكل حقيقية تحتاج إلى دراسات علمية و اعتمادات مالية و موارد بشرية معتبرة و ليس فقط إلى التفاتات شكلية محتشمة. فليس من العقل في شيء أن ننتظر من فاقد البصر أن يحصر تنقلاته في بضع مربعات لا تغني و لا تسمن من جوع، و فاقد الحركة لن تكفيه أبدا الولوجيات المعدودة المقامة هنا و هناك، و مقاعد الدراسة الموفرة للمصابين بطيف التوحد لن تتسع بالتأكيد للجميع كما أنها غير موزعة بالشكل المنشود على التراب الوطني، و ما هو متاح من بنيات لاستقبال المصابين بالتثلث الصبغي لم يصل بعد حتى مستوى الإنجازات الرمزية... أما لغة الإشارة فكلنا نعلم بأنها لا تغطي أكثر 0.0000000000001 بالمائة من البرامج التلفزيونية المبثوتة.

من نافلة القول أن الإكراهات حاضرة و بقوة. و رغم محدودية الإمكانيات و تواضع العلم المتاح و التقنيات الطبية و المناهج التربوية المتوفرة فإن ذوي الاحتياجات الخاصة متشبتون بالحياة و يعيشون على أمل حدوث المعجزة في يوم من الأيام. الكل يتفهم جيدا طبيعة المشاكل القائمة و عمق الهوة الهائلة الموجودة بين أحلامهم و أحلام أسرهم من جهة و ما تحقق على أرض الواقع من جهة أخرى، بل و يتفهم أيضا مسوغات الفتور الذي طرأ على وتيرة الإنجازات بعد فترة ذهبية شهدت ميلاد العديد من البنيات و المبادرات الإنسانية و الاجتماعية و التربوية و التشريعية ... لكني أظل مقتنعا بأن هامش التحرك مازال متاحا لتحقيق المزيد من المكاسب لفائدة هذه الفئة العزيزة من شعبنا و التي يجب ألا تنسينا إنجازاتها القيمة بالألعاب البارالمبية واقعها الصعب.

فمثلا، ما الذي يمنع من تعميم الولوجيات علما بأن إنجاز كل واحدة منها لا يتطلب سوى بضعة كيلوغرامات من مواد البناء و أقل من يوم عمل ؟ و ما الذي يضير شركات النقل الحضري العمومي لو سمحت للمعاقين باستعمال أسطولها مجانا ؟ لماذا هذا الامتياز حلال على المتسولين و حرام على ذوي الاحتياجات الخاصة ؟ و هل سيلحق بمؤسسة "العمران" أو شركة "الضحى" الإفلاس لو مكنت فئات محددة من هؤلاء من امتلاك شقق ببعض مشاريعها السكنية الاقتصادية بتسهيلات استثنائية ؟ و ألا يجدر بالدولة أن تتدخل حتى تجعل تكاليف تعليمهم و تطبيبهم و استشفائهم في متناول أسرهم (بلغ إلى علمي مؤخرا أن التكفل بطفل توحدي يتطلب ما بين 7000 و 10000 درهم شهريا !!!!!!!!) ؟ و هل المجتمع بكل مكوناته عاجز فعلا عن دعم الكثيرين منهم في اقتناء ما يحتاجونه من أدوات و وسائل و أعضاء تعويضية ؟ و لماذا مازال العديد منهم في عداد العاطلين علما بأن قدرة قسم منهم على العطاء بشكل أو بآخر و في مجالات شتى ثابتة و بأن مؤهلات الكثير منهم عالية، بل و تفوق مؤهلات الكثير من الأصحاء ؟

و بالنظر إلى خصوصيات الإعاقة و امتداداتها النفسية و الاجتماعية و الاقتصادية، من الطبيعي أن تكون أسرة المعاق في حالة قلق دائم. فخلال استضافته ببرنامج إذاعي صرح أحد الضيوف بما معناه : نحن آباء و أولياء الأطفال المعاقين لا نرى الحياة كما يراها الناس العاديون، و لا حق لنا في تبني أحلامهم. نحن لا نخطط لتمكين أبنائنا المعاقين من استكمال دراستهم بفرنسا أو بالصين الشعبية، و لا نطمح إلى امتلاك بيت ثانوي بجبل مخضر أو على مقربة من شاطئ جميل أو قضاء عطلنا بريو دي جانيرو أو بموناكو أو اللهث وراء باقي النعم الدنيوية. أحلامنا بسيطة للغاية لكنها بحكم واقع الحال تظل بعيدة المنال بل و مستحيلة. فمنا من يطمع فقط في رؤية ابنه و هو يدب على الأرض أو يمشي كباقي البشر، و منا من يطمح فقط إلى العثور على من يتولى حراسة هذا الإبن أثناء غيابه خاصة عندما نعلم بأن أبسط إهمال له قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه ... و منا من يتوق فقط إلى سماع كلمة "بابا" أو "ماما"... و يظل أكبر الهواجس على الإطلاق هو ذلك الذي يخص مستقبلهم البعيد عندما يفقدون أهم سند لهم في الحياة.

و رغم تعقد وضعيات الإعاقة المختلفة و تعدد الإكراهات المرتبطة بها و غياب الحلول السحرية فإنه مازال هناك من يعتقد جازما بأن الإشكال ذو طابع قانوني في المقام الأول ناسيا أو متناسيا بأن ثمة أشياء لا تتحقق بالقانون (التشغيل مثلا) بالضبط كما أنه ثمة أشياء لا تمنع بالقانون (العنصرية مثلا). و هناك أيضا من يدعي بأن الحكومات المتعاقبة لم تكن جادة بما يكفي في تعاملها مع ذوي الهمم و بأن الإرادة و الجرأة السياسيتين الواجب توفرهما لتحقيق ما تحقق في مجال العناية بهذه الشريحة المجتمعية بالدنمارك أو بكندامثلا منعدمتان. إن الدمج الفعلي لذوي الاحتياجات الخاصة في الحياة العامة ليس بالأمر الهين و لا يتحقق فقط بالضغط على زر أو باستصدار بطاقة المعاق (التي يبدو أنها تفتح بعض النوافذ لكنها لا تقوى على اختراق الأبواب، شأنها في ذلك شأن بطاقة الفنان). و قد قامت العديد من مكونات المجتمع المدني خلال العقود الأخيرة ببذل مجهودات محمودة في هذا الاتجاه إلا أن النتائج المسجلة ظلت هزيلة و خاصة في صفوف من يعانون من إعاقات حادة. مجمل القول : تعددت التأويلات و الواقع واحد.

من جهة سابعة، و بدون مبالغة و في غياب أية نية من جانبي في تمييع الموضوع، ألا ترى، عزيزي القارئ، بأنه قد آن الأوان لتوسيع مفهوم الإعاقة ؟ ألا تشاطرني الرأي بأننا كلنا معاقون في الحقيقة بشكل أو بآخر و بأننا كلنا في حاجة إلى من يتكفل بنا لتخفيف وطأة الظروف علينا و بأن هذا الأمر لن يتأتى إلا بخلق مديريات إضافية بوزارة الأسرة و ...و ... و... بمسؤوليات و صلاحيات جديدة و مبتكرة ؟

فبالإضافة إلى الإعاقات الكلاسيكية المعروفة هناك من ضمننا من تعيقه عقده النفسية أو طباعه السيئة أو سذاجته أو اندفاعه أو قلة صبره أو سلاطة لسانه، و هناك من يعيقه الخوف أو التشاؤم المزمن أو غياب الطموح أو غياب الثقة في النفس، و هناك من يعيقه جهله أو أميته أو عدم قدرته على مواكبة مستجدات العصر (ثمة من لا قدرة له اليوم حتى على التنقل من قناة تلفزيونية إلى أخرى)، و هناك من تعيقه مهنة كرهها منذ الشروع في مزاولتها، و هناك من يعيقه زواجه الفاشل أو مسؤولياته الأسرية الكثيرة، و هناك من يعيقه فقره أو ديونه أو عطالته أو سجله العدلي أو مساره الدراسي المتواضع أو ظروفه الاجتماعية القاسية، و هناك من يعيقه الاستلاب الثقافي إذ لا هو ظل بطة و لا هو أصبح طاووسا، و هناك من يعيقه حتى إسمه الشخصي أو العائلي أو عنوان إقامته، و هناك ... و هناك ... و هناك في الصف الأخير من تعيقه "حمارته" !!

كلنا إذن نزلاء سجن كبير إسمه الحياة، و من لا يحمل معه إعاقة ظاهرة فإنه يحمل معه حتما إعاقة مستترة. و إذا كان الكثير من المواطنين يعتقدون بأن الحكومة لا تفعل الكثير من أجلنا جميعا و تكتفي في الغالب بالقيام بمبادرات بسيطة لا تشفي الغليل (دعم الأسرة المعوزة بمبلغ شهري قد ينفق في يوم واحد مثلا) ، فلأننا نعلم بأنها تعاني هي الأخرى من مجموعة من المعيقات (أو لنقل "إعاقات" حتى نبقى في سياق موضوع المقال) ليس أقلها محدودية مقدرات البلاد المادية.