مجتمع وحوداث

أطفالنا رهائن الشاشات !

عبد اللطيف مجدوب

  البيت الذي تغيّر

لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة ترفيه داخل الأسرة المغربية، بل أصبح في كثير من الأحيان حاضراً أساسياً في تربية الأبناء. في بيوت كثيرة، يحلّ الصمت محل الحوار، وينشغل كل فرد بشاشته. الطفل لم يعد يبحث عن اللعب في الخارج أو الحديث مع والديه، بل يلوذ بعالم رقمي جاهز يمنحه المتعة السريعة دون جهد.

 من الترفيه إلى الإدمان

في البداية، يبدو الأمر بسيطاً: دقائق من اللعب أو مشاهدة فيديو. لكن مع الوقت، يتحول هذا السلوك إلى عادة، ثم إلى نوع من الارتباط النفسي. الطفل يطلب الهاتف بإلحاح، يغضب عند منعه، ويفقد الاهتمام بكل ما هو خارج الشاشة. هنا نكون أمام شكل من أشكال الإدمان السلوكي، حيث تصبح الشاشة المصدر الوحيد للمتعة. هذا الإدمان لا يؤثر فقط على الوقت، بل يمتد إلى:

ضعف التركيز داخل المدرسة ، اضطرابات النوم ،العصبية وسرعة الغضب ، العزلة الاجتماعية

 حين تبدأ القصة مبكراً

الأخطر أن هذه العلاقة مع الشاشة تبدأ أحياناً في سن مبكرة جداً. نرى اليوم بعض الأمهات، تحت ضغط التعب أو الرغبة في تهدئة الطفل، يلجأن إلى تشغيل فيديوهات على الهاتف لرضيع لم يكتمل نموه بعد. الطفل يسكت فعلاً… لكن الثمن قد يكون باهظاً .

في هذه المرحلة، يحتاج الرضيع إلى التفاعل الإنساني: نظرات، أصوات، وملامسة. أما التعرض المبكر والمفرط للشاشات، فقد يؤثر على نموه البصري والانتباهي، ويُضعف قدرته على التركيز لاحقاً. الأخطر أن الطفل يتعلم منذ البداية أن الراحة تأتي من الشاشة، لا من حضن الأم أو التواصل الطبيعي.

 بين البيت والمدرسة

حين يصل هذا الطفل إلى المدرسة، يُطلب منه فجأة التخلي عن الهاتف والانضباط داخل القسم. لكن كيف يمكن ذلك، وهو لم يتعلم أصلاً حدود الاستعمال داخل البيت؟ هنا يظهر التناقض: الأسرة تسمح دون ضوابط، والمدرسة تحاول المنع، والطفل يعيش بين عالمين متناقضين.

 ماذا عن الخارج؟

في عدد من الدول الأوروبية مثل فرنسا ، يتم منع الهواتف داخل المدارس في المراحل الأولى، لكن في المقابل تُفرض داخل الأسرة قواعد واضحة: وقت محدد للشاشات، ومواكبة مستمرة لما يشاهده الطفل. الفكرة ليست الحرمان، بل التربية على الاستعمال المتوازن.

 نحو تربية رقمية واعية

الحل لا يكمن في المنع التام، ولا في ترك الحبل على الغارب، بل في إيجاد توازن:

* تحديد وقت يومي واضح للشاشات ،

* خلق بدائل حقيقية: رياضة، قراءة، أنشطة

* مرافقة الطفل بدل تركه وحيداً أمام المحتوى

كخلاصة :

الهاتف وأشباهه ليس عدواً في حد ذاته، لكن خطورته تبدأ حين يتحول إلى بديل عن الأسرة. أطفالنا لا يحتاجون فقط إلى الترفيه، بل إلى توجيه، حضور، واهتمام. وإذا لم تبدأ التربية الرقمية من البيت، فلن تنجح أي قوانين أو قرارات في حماية جيل ينمو اليوم… داخل الشاشة.