مجتمع وحوداث

للبيت رب يحميه..بين “شَرَعْ لفم” الرقمي وهيبة الدولة..من يملك حق الإدانة؟

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

كلما تابعتُ هذا الانفلات في توجيه الاتهامات بين الناس، تعود إلى ذهني عبارة عبد المطلب بن هاشم جد النبي محمد عليه الصلاة و السلام في مواجهة أبرهة الحبشي "أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه".. ليست حكمة وعظية بقدر ما هي تحديد صارم للاختصاص، هناك ما هو لك، وهناك ما هو لمؤسسة أعلى تتكفل به. هذه البساطة في رسم الحدود هي ما نبدده اليوم بسهولة مقلقة.

ما يجري على منصات التواصل لم يعد مجرد تعبير عن الرأي. نحن أمام نمط يُحاكي “شرع اليد” و أسميه "شرع لفم"، لكن بصيغة رقمية، اتهام سريع، تضخيم جماعي، ثم حكم شبه نهائي قبل أن تبدأ أي مسطرة. تُبنى القناعة أولا، و يبحث لها عن الأدلة لاحقا. وعندما تتأخر المؤسسات أو تصمت، يُفسَّر ذلك كعجز، فيتقدم الجمهور لملء الفراغ… لم يعد يلعب دور الرقيب، بل تجاوزه ليصبح قاضيا.

السؤال الذي أطرحه على نفسي قبل غيري، هل ضعفت مؤسسات الدولة فعلا إلى درجة أصبح فيها “القضاء الموازي” هو وسيلة الدفاع عنها؟ أم أننا، بعجلة أحكامنا، نُضعفها أكثر ونحن نظن أننا نحميها؟

الخلل هنا بنيوي. الدولة الحديثة تقوم على احتكار واضح للحكم القضائي وفق مساطر" قرينة البراءة، عبء الإثبات، حق الدفاع، والتدرج في القرار"،،حين تُنقل هذه الوظيفة إلى الفضاء العام دون ضوابطها، نحصل على سلطة بلا كلفة، يُدان شخص في ساعات، وتبقى الوصمة حتى لو جاءت البراءة لاحقا. في هذه المعادلة، لا تُختصر العدالة فقط، تُستبدل بشيء آخر أقل دقة وأكثر قسوة.

لا أنفي مسؤولية المؤسسات. بطء التفاعل، غموض المعلومة، وضعف الشرح… كلها تصنع فراغا. والفراغ لا يبقى فارغا. لكن الرد على هذا الخلل لا يكون بإلغاء المسار القانوني عمليا، بل بإصلاحه من خلال تواصل مؤسساتي سريع وشفاف، نشر المعطيات الممكنة في وقتها، وصرامة في مواجهة التشهير الذي لم و لن أعتبره رأيا، إنما ضررا ثابتا يجب "اجتنابه".

في المقابل، يحتاج المجتمع إلى قدر من الانضباط المعرفي. ليس كل ما يُرى يُفهم، وليس كل ما يُفهم يُدان. الفرق بين أن تُبلغ عن واقعة وأن تُصدر حكما فرق جوهري. الأول يُسهم في تفعيل القانون، والثاني يلتف عليه. وحين تختلط الوظيفتان، نفقد ميزتين معا، أولاهما حق المجتمع في المعرفة، و الثانية حق الفرد في محاكمة عادلة.

و أكثر ما يقلقني حقا هو الأثر التراكمي لهذا السلوك. حين يعتاد الناس الحكم خارج المؤسسات، تتآكل الثقة بها تدريجيا، ثم تتحول من مرجعية إلى خيار ثانوي. عندها لا نكون أمام “يقظة مجتمعية”، بل أمام إعادة تعريف للدولة من ضامنة للعدالة إلى مُصدّقة على مزاج عام متقلب.

أكتب هذا بوعي أن الغضب مفهوم، وأن المطالبة بالمحاسبة مشروعة. لكن المحاسبة بلا مسطرة ليست عدالة، بل رد فعل..و لا تستقيم إدارة الدول بردود الأفعال، بل بقواعد تضبطها، حتى في لحظات التوتر.

المسألة ليست دفاعا عن شخص ضد آخر، ولا عن قضية بعينها. المسألة أعمق،

هل نريد دولة تديرها المؤسسات، أم ساحة تتحكم بها الانطباعات؟

أنا أراهن على الدولة، ليس لأنها بلا أخطاء، بل لأن البديل أخطر، التشهير بالمواطنين لا يحميها بل يضرها، والعدالة لا تُصنع في الهجوم على الناس بل داخل المؤسسات، و من رأى منكم جريمة فليُبلغ عنها، بدل أن يمارس "شرع لفم"..و نصدقو لا ديدي لا حب لملوك..