دعم للكبار بالملايير و أسعار ملتهبة
تعود الكثير من المغاربة صغارا و شبابا و شيبا على تلك العلبة الصغيرة للسردين بوصفها تلك " المنقدة من الضلال " الذي يسبب فيه الجوع . تعودنا منذ الصغر على تلك الوجبة التي تصحبها قطعة من الخبز، و خصوصا " الكومير" . و وجدنا فيها، و نحن طلبة، ذلك الملاذ حين تقل الموارد و تبدأ هزات تزلزل جيوبنا بعد نفاذ الدراهم. غزت علبة السردين الأحياء الشعبية و ورشات الأشغال العمومية و الأحياء الجامعية و كثيرا من الشواطئ خلال فصل الصيف. و مهما بلغ أغلبنا من قدرة شرائية مريحة، تظل علبة السردين مغرية حين يتوجب التسوق الأسبوعي لدى التجار الصغار أو لدى ملاك الأسواق الكبرى التي تكاثرت منذ حوالي أربعة عقود من الزمن في بلادنا. و نجد اليوم أنفسنا أمام غياب علبة السردين و وفرة في علب التونا. سألت كثيرا من عمال المتاجر الكبرى عن تلك العلبة الشعبية خلال الأسبوع الفارط عن سبب غياب علبة السردين فأحالني بعضهم إلى قراءة إعلام موجه للزبناء يؤكد أن نفاذ المنتوج يرجع إلى المورد " الفورنيسور"
أخبرت بعض الصحافيين بالموضوع، و أستمرت جولاتي في الأسواق المجاورة لسكني، و هي متعددة، للتأكد من استمرار غياب علبة السردين المغربية. كدت أصدق أنها امتلكت جرأة الهجرة السرية إلى الخارج تحت ضغط المردود المالي. و لكن حب كثير من أرباب معامل التصدير، و أغلب أصحاب الصناعات الغذائية عموما ، يفضلون، ككثير من ملاك الاستغلاليات الفلاحية الكبرى، التصدير على حساب السوق الداخلي. و وجب التذكير أن تقييم نتائج " المغرب الأخضر " و " الجيل الأخضر " لا تحتاج إلى مكاتب دراسات، أغلبها متخصص في الحصول على الصفقات و كتابة تقاريرهم حسب رغبات الأمرين بالصرف. سيظل التقييم الحقيقي هو جيب المواطن و ما أصاب سلة غذاءه من تراجع حقيقي. و هكذا ساهمت ملايير الدراهم التي صرفت على ،ما قيل، أنه أكبر مشروع أو سياسة قطاعية في تراكم ثروات لدى اقلية و تراجع القدرة الشرائية لدى الأغلبية. لا زلنا نستورد الحبوب و الأعلاف و الزيوت و السكر و غيرها بأكثر من 115 مليار درهم ( 2025) ، و نصدر الطماطم و زيت الزيتون و مصبرات السردين و مواد أخرى بقيمة تبلغ حوالي 86 مليار درهم. صرفت بلادنا ملاييرا من أجل عصرنة و تطوير كل سلاسل الإنتاج الحيواني و النباتي ( منح و هدايا ضريبية و حوافز من أجل الإستثمار ) ، و أصبحنا في حاجة لصرف ملايير أخرى لاستيراد الخرفان و العجول لنلبي رغبة البعض في تسخير دعم الإقتصاد إلى ابتكار مزيد من منابع الريع.
سيظل المطلب الأساسي لمن يحبون هذا الوطن، و لمن تحرق أسعار السوق الحقيقية شمعة قدرته الشرائية، و لكل من تهمهم كل دعائم استقرار البلاد، هو تفعيل مبدأ " ربط المسؤولية بالمحاسبة ". و هذا لا يعني فقط مسؤولي الإدارة أو الحكومة، و لكن يعني بالأساس كل المنظومة التي تضع السياسات، و تبرمج تنزيلها ماليا و اقتصاديا، و خصوصا تلك التي تستفيد من الدعم العمومي مقابل التزامات بنتائج محددة في كل مجالات الإستثمار و الإنتاج و التشغيل.
لا زال الطريق طويلا و شاقا للعبور من مسألة " علبة سردين " ،قبل الوصول إلى محاسبة من نال من سخاء حكومات متعاقبة دون أن تظهر آثار النعمة على البلاد و العباد ، و على قدرتهم الشرائية و ولوجهم المنتج للخدمات الصحية و التعليمية من خلال تقليص الفوارق الإجتماعية و المجالية. و في إنتظار فتح كل العلب المغلقة بإحكام ، نتمنى أن ترجع علبة السردين إلى الأسواق.






