فالأنظمة الديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود مؤسسات دستورية أو بتنظيم انتخابات دورية، بل كذلك بمدى إتاحة المجال العمومي لمختلف التيارات السياسية والفكرية للتعبير عن مواقفها وعرض تصوراتها أمام المواطنين. ومن هذا المنظور، يصبح الإعلام العمومي أحد المؤشرات الأساسية على مستوى النضج الديمقراطي، باعتباره فضاءً يُفترض فيه أن يعكس التعدد القائم داخل المجتمع، لا أن يعيد إنتاج التوازنات السائدة فقط.
لطالما أكدت أدبيات العلوم السياسية وسوسيولوجيا الاتصال أن الإعلام ليس مجرد أداة لنقل الأخبار، بل هو مؤسسة فاعلة في بناء السردية العمومية وتحديد القضايا التي تستحق النقاش وتلك التي يتم تهميشها. ولذلك فإن التحكم في شروط الظهور الإعلامي للفاعلين السياسيين يظل أحد أهم أشكال السلطة الرمزية في المجتمعات الحديثة؛ فليس المهم فقط ما يُقال، بل أيضًا من يُسمح له بالكلام، ومتى وكيف وأين.
ومن هذا المنطلق، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن حزب بعينه أو عن تيار أيديولوجي محدد، بقدر ما يتعلق بالدفاع عن مبدأ ديمقراطي عام. فالتعددية السياسية تفقد جزءًا كبيرًا من معناها عندما لا تجد ترجمتها الطبيعية داخل الفضاء الإعلامي. كما أن الحق في الاختلاف السياسي لا يكتمل إلا بالحق في التعبير عن هذا الاختلاف وإيصاله إلى الرأي العام.
وقد أكد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن «مشروعية الديمقراطية الحديثة ترتبط بوجود فضاء عمومي مفتوح يسمح بتداول الأفكار والمواقف على أساس قوة الحجة لا حجة القوة». وعندما تصبح بعض الأصوات أكثر حضورًا من غيرها لأسباب لا ترتبط بالوزن الفكري أو السياسي فقط، فإن المجال العمومي يفقد جزءًا من وظيفته التداولية ويتحول تدريجيًا إلى فضاء لإعادة إنتاج التوازنات القائمة.
وإذا كانت هذه الملاحظة تنطبق على مختلف التيارات السياسية، فإنها تكتسب أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر باليسار. فاليسار، بحكم موقعه التاريخي والفكري، لا يمثل مجرد منافس انتخابي لباقي الفاعلين، بل يؤدي وظيفة نقدية داخل المجتمع. فهو التيار الذي يربط عادة بين قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والحريات العامة والسياسات العمومية. ولذلك فإن حضوره في النقاش العمومي لا يُقاس فقط بعدد المقاعد التي يحصل عليها، بل أيضًا بقدرته على طرح الأسئلة التي تتجنبها الخطابات الرسمية أو السائدة.
فالخطاب اليساري، حين يتناول قضايا التفاوتات الاجتماعية، وتوزيع الثروة، وتضارب المصالح، والريع، والعدالة الضريبية، وجودة الخدمات العمومية، لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى تفسيره وربطه بالاختيارات السياسية والاقتصادية التي أنتجته. وهذا ما يجعله، في كثير من الأحيان، خطابًا مزعجًا للفاعلين المستفيدين من الوضع القائم، حتى عندما يكون تأثيره الانتخابي محدودًا. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن قوة الأفكار لا تُقاس دائمًا بعدد المقاعد التي تحصدها، بل أيضًا بقدرتها على التأثير في الوعي الجماعي وصياغة الأسئلة الكبرى التي تشغل المجتمع.
ولعل ما يثير الانتباه في الحالة المغربية هو أن النقاش حول التعددية الإعلامية يقود بالضرورة إلى التساؤل حول حكامة الإعلام العمومي نفسه. فمن الصعب تجاهل حقيقة أن المسؤول الأول عن القطبين السمعي البصريين العموميين يشغل هذا الموقع منذ ما يزيد على عقدين من الزمن، في وضعية تكاد تكون استثناءً داخل المشهد المؤسساتي المغربي منذ بداية «العهد الجديد». فخلال هذه الفترة عرفت مختلف المؤسسات والقطاعات العمومية عمليات تجديد واسعة للنخب والمسؤوليات، بينما ظل قطاع الإعلام العمومي محافظًا على نفس القيادة.
ولا يتعلق الأمر هنا بمناقشة الأشخاص أو الطعن في كفاءاتهم، بل بطرح سؤال مشروع من منظور الحكامة الديمقراطية: فما الذي يفسر هذا الاستمرار الطويل؟ (هذه الحكامة التي أفرد لها دستور 2011 حيزًا خاصًا، واعتبرها العديدون من أهم ما جاء به الدستور). فهل يتعلق الأمر بكفاءة استثنائية لا تتوافر لدى غيره من الأطر المغربية؟ وهل يعاني المغرب فعلًا من ندرة في الكفاءات القادرة على تدبير قطاع الإعلام العمومي؟ أم أن الأمر يرتبط بقدرة خاصة على تنفيذ التوجهات والتعليمات المرسومة بدرجة عالية من الانضباط؟ أم أن هناك اعتبارات أخرى لا تتوافر للرأي العام كل معطياتها؟
ليست الغاية من هذه الأسئلة تقديم أجوبة جاهزة، بل التنبيه إلى أن استمرارية المسؤوليات العمومية لعقود طويلة ينبغي أن تظل موضوع نقاش مشروع داخل أي مجتمع يسعى إلى ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتجديد النخب. فالتداول لا يكتسب أهميته فقط في المجال السياسي، بل أيضًا في تدبير المؤسسات التي تضطلع بأدوار استراتيجية في تشكيل الرأي العام.
إن القضية المطروحة اليوم ليست قضية اليسار وحده، كما أنها ليست قضية برنامج تلفزيوني بعينه. إنها قضية المجتمع المغربي في علاقته بالحق في التعددية، وبحق المواطنين في الاطلاع على مختلف التصورات السياسية والفكرية المطروحة في الساحة الوطنية. فالديمقراطية لا تتقوى بتقليص مساحة الاختلاف، بل بتوسيعها. ولا تتقدم بإقصاء «الأصوات المزعجة»، بل بتمكينها من التعبير عن نفسها داخل قواعد التنافس السلمي والمفتوح.
ولهذا السبب بالذات، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يتحدث اليسار؟ بل: لماذا يصبح مجرد حضوره الإعلامي حدثًا يثير كل هذا الانتباه؟ فحين يتحول الظهور الطبيعي لتيار سياسي قانوني إلى مناسبة استثنائية، يصبح من المشروع التساؤل ليس عن موقع ذلك التيار فقط، بل عن طبيعة المجال العمومي الذي يحتضنه.
فالمجتمعات الواثقة من نفسها لا تخشى النقد، والدول القوية لا تخاف من التعددية، والديمقراطيات الحية لا تنظر إلى الاختلاف باعتباره خطرًا ينبغي احتواؤه، بل باعتباره موردًا ضروريًا لتجديد الحياة السياسية وإغناء النقاش العمومي وتصحيح الاختلالات قبل أن تتحول إلى أزمات.
غير أن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الإعلام العمومي في حد ذاته، فإذا كان من المشروع التساؤل عن شروط حضور اليسار داخل وسائل الإعلام الممولة من المال العام، فإن السؤال الأكثر عمقًا يتعلق بالسياق السياسي والمؤسساتي الذي تُنتج داخله هذه الاختيارات. ذلك أن وسائل الإعلام العمومية لا تشتغل في فراغ، ولا تحدد سياساتها بمعزل عن البيئة السياسية التي تنتمي إليها. ومن ثم فإن دراسة موقع اليسار داخل الإعلام العمومي قد لا تكون سوى مدخل لفهم إشكالية أوسع تتعلق بطبيعة التعددية السياسية في المغرب وحدودها الفعلية، وبكيفية تدبير العلاقة بين السلطة والمعارضة، وبين منطق الانفتاح ومنطق الضبط داخل النظام السياسي المغربي.
فهل يتعلق الأمر بمجرد اختلالات في تدبير التعددية الإعلامية؟ أم أننا أمام تعبير عن منطق سياسي أعمق يحكم توزيع الموارد الرمزية وفرص الظهور والتأثير داخل المجال العمومي؟ وهل تكشف حالة اليسار عن وضعية خاصة بهذا التيار السياسي، أم أنها تعكس جانبًا من الكيفية التي يتم بها تدبير التعددية السياسية عمومًا؟
تلك أسئلة تستحق نقاشًا مستقلًا، لأنها تنقلنا من مستوى الحديث عن الإعلام العمومي إلى مستوى التفكير في طبيعة المجال السياسي المغربي نفسه، وفي العلاقة المعقدة بين التعددية المعلنة والتعددية الممارسة، وبين الانفتاح السياسي وحدود الاستيعاب المؤسسي للأصوات النقدية.






