سياسة واقتصاد

حكومة أخنوش بين تدبير الاستعجال وبناء التحول الاستراتيجي: هل منحت المغرب قفزة حقيقية؟

إدريس الفينة (باحث - خبير في الاقتصاد الجيوسياسي)

لا يمكن تقييم حكومة عزيز أخنوش فقط من خلال السؤال التقليدي: هل نفذت برنامجها الحكومي أم لا؟ فهذه الحكومة جاءت في مرحلة خاصة جداً، حيث تداخلت ثلاثة مستويات من المسؤولية: تنفيذ البرنامج الانتخابي للأغلبية، معالجة ملفات استعجالية ضاغطة، والانخراط في ملفات استراتيجية للدولة تتجاوز زمن الولاية الحكومية الواحدة. لذلك فإن السؤال الأكثر دقة هو: هل كانت حكومة أخنوش حكومة تدبير أزمات واستعجالات فقط، أم أنها ساهمت فعلاً في إطلاق تحولات استراتيجية قادرة على إعطاء المغرب قفزة حقيقية في السنوات المقبلة؟


الجواب المتوازن هو أن حكومة أخنوش اشتغلت في المستويين معاً. فقد تعاملت مع ملفات استعجالية ثقيلة، مثل التضخم، الجفاف، تداعيات كورونا، زلزال الحوز، دعم القدرة الشرائية، وتوسيع الحماية الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، انخرطت في ملفات استراتيجية كبرى، مثل الدولة الاجتماعية، الاستثمار، التحلية، الصناعة، السياحة، كأس العالم 2030، التحول الرقمي، ودعم السكن. لكن المشكل أن هذه الملفات الاستراتيجية لم تتحول كلها بعد إلى نتائج اجتماعية عميقة، خاصة في التشغيل، المدرسة، الصحة، والعدالة المجالية.


أولاً: حكومة جاءت في سياق استعجالي لا يمكن تجاهله


من الإنصاف القول إن حكومة أخنوش لم تشتغل في ظرفية عادية. فقد تسلمت المسؤولية بعد جائحة كورونا، وفي سياق ارتفاع عالمي لأسعار الطاقة والغذاء، ثم جاءت الحرب في أوكرانيا لتضغط أكثر على الأسعار وسلاسل التوريد. كما واجه المغرب سنوات جفاف متتالية أثرت على الفلاحة، القطيع، أسعار المواد الغذائية، والعالم القروي. ثم جاء زلزال الحوز ليضيف ملفاً إنسانياً وترابياً كبيراً.


هذه المعطيات جعلت جزءاً مهماً من العمل الحكومي عملاً دفاعياً. أي أن الحكومة لم تكن فقط مطالبة ببناء المستقبل، بل كانت مطالبة أولاً بمنع تدهور أكبر في القدرة الشرائية، والحفاظ على التوازنات المالية، وضمان استمرار الخدمات الأساسية، وتعبئة الموارد للتضامن الاجتماعي.


في هذا المستوى، يمكن القول إن الحكومة نجحت نسبياً في امتصاص جزء من الصدمات، لكنها لم تنجح دائماً في جعل المواطن يشعر بأن الأزمة انتهت. فالتضخم تراجع لاحقاً، لكن الأسعار لم تعد إلى مستوياتها السابقة. والدعم توسع، لكن القدرة الشرائية ظلت تحت الضغط. والفلاحة استفادت من إجراءات دعم، لكن العالم القروي بقي هشاً أمام الجفاف.


ثانياً: الدولة الاجتماعية : بين الاستعجال والتحول الاستراتيجي


أكبر ملف يجمع بين الاستعجال والاستراتيجية هو ملف الحماية الاجتماعية. فمن جهة، جاء الدعم الاجتماعي والتغطية الصحية لمعالجة هشاشة قائمة: أسر بلا حماية كافية، فئات غير مغطاة صحياً، وتفاوت كبير في الولوج إلى العلاج. ومن جهة ثانية، يمثل هذا الورش تحولاً استراتيجياً في بنية الدولة المغربية.


تعميم التأمين الإجباري عن المرض ليشمل أكثر من 32 مليون مستفيد، أي حوالي 88% من السكان، يعد إنجازاً مؤسسياً كبيراً. فقد انتقل المغرب من نظام حماية مجزأ إلى منظومة أوسع وأكثر انتظاماً. كما شكل الدعم الاجتماعي المباشر انتقالاً من دعم مشتت وغير مرئي إلى تحويلات مباشرة للأسر المستهدفة.


لكن هذا الورش يكشف أيضاً حدود الحكومة. فالتغطية الصحية لا تعني تلقائياً جودة العلاج، والدعم الاجتماعي لا يعني تلقائياً الخروج من الفقر. المواطن لا يقيس الدولة الاجتماعية بعدد البطاقات أو المستفيدين فقط، بل يقيسها بقدرته على العلاج، وبكرامة الولوج إلى المستشفى، وبمدى تحسن دخله وفرصه. لذلك يمكن القول إن الحكومة أسست قاعدة استراتيجية للدولة الاجتماعية، لكنها لم تحولها بعد إلى دولة تمكين اجتماعي كاملة.


ثالثاً: الاستثمار : ملف استراتيجي واضح لكن أثره الاجتماعي لم يكتمل


من الملفات التي تعكس توجهاً استراتيجياً واضحاً ملف الاستثمار. فقد صادقت اللجنة الوطنية للاستثمارات على 237 مشروعاً بغلاف يتجاوز 369 مليار درهم، مع توقع خلق أكثر من 166 ألف منصب شغل. كما ارتفع الاستثمار العمومي من حوالي 230 مليار درهم سنة 2021 إلى حوالي 380 مليار درهم في أفق 2026.


هذه الأرقام تعني أن الحكومة لم تشتغل فقط بمنطق الإنقاذ، بل حاولت تعبئة الرأسمال العمومي والخاص حول مشاريع كبرى. وهذا ينسجم مع النموذج التنموي الجديد، الذي دعا إلى رفع الاستثمار الخاص وتحويله إلى محرك رئيسي للنمو والتشغيل.


لكن التقييم العميق يفرض الحذر. فالمشروع المصادق عليه ليس دائماً مشروعاً منجزاً. والاستثمار المعلن لا يعني بالضرورة شغلاً فعلياً. كما أن الاستثمار العمومي ما يزال أقوى من الاستثمار الخاص في تحريك النمو. وهذا يعني أن المغرب لم يقلب بعد المعادلة التي دعا إليها النموذج التنموي الجديد: أن يصبح الاستثمار الخاص أعلى وزناً وأكثر دينامية من الاستثمار العمومي.


الأثر الأوضح لهذا الخلل يظهر في سوق الشغل. فاقتصاد 2025 خلق 193 ألف منصب شغل، وهو تحسن مهم، لكن البطالة بقيت في حدود 13%. والأخطر أن بطالة الشباب بلغت 37,2%، والنساء 20,5%، وحاملي الشهادات 19,1%. هذه الأرقام تعني أن الاستثمار لم يتحول بعد إلى قفزة اجتماعية في التشغيل.


رابعاً: السياحة : نموذج لملف استراتيجي أعطى نتائج ملموسة


السياحة من أكثر المجالات التي تظهر فيها نتائج واضحة. فقد بلغ المغرب سنة 2025 حوالي 19,8 مليون سائح، وحققت مداخيل السياحة 138 مليار درهم، وهو مستوى تاريخي. هنا لا يتعلق الأمر فقط بتعافٍ بعد الأزمة، بل بتحول في موقع المغرب السياحي دولياً.


هذا القطاع يمثل مثالاً على ملف استراتيجي استطاع أن يعطي نتائج قصيرة ومتوسطة المدى. فهو يوفر العملة الصعبة، يحرك الاستثمار، يخلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، ويدعم صورة المغرب في أفق كأس إفريقيا وكأس العالم 2030.


لكن السؤال الاستراتيجي الأعمق هو: هل ستظل السياحة مجرد قطاع ناجح رقمياً، أم ستصبح رافعة لتنمية ترابية واسعة؟ إذا بقيت متركزة في مدن محدودة، فإن أثرها سيبقى ناقصاً. أما إذا امتدت إلى الجبال، الواحات، المدن المتوسطة، السياحة الثقافية، والصناعة التقليدية، فستتحول إلى رافعة حقيقية للعدالة المجالية.


خامساً: الماء : من تدبير أزمة الجفاف إلى بناء أمن مائي جديد


ملف الماء يكشف بوضوح طبيعة المرحلة. الحكومة تعاملت مع أزمة استعجالية مرتبطة بالجفاف، لكنها في الوقت نفسه دفعت نحو اختيارات استراتيجية، خاصة تحلية مياه البحر والربط بين الأحواض والسدود.


المغرب يستهدف إنتاج 1,7 مليار متر مكعب سنوياً من المياه المحلاة في أفق 2030، ورفع مساهمة التحلية في تزويد المدن بالماء الشروب إلى 60%، مقابل حوالي 25% حالياً. هذا تحول استراتيجي كبير، لأن المغرب ينتقل تدريجياً من الاعتماد المفرط على التساقطات إلى تنويع مصادر الماء.


لكن هذا التحول ما يزال غير مكتمل. فالحكومة ركزت أكثر على زيادة العرض: تحلية، سدود، تحويل المياه. أما إصلاح الطلب فما يزال أبطأ: ترشيد الري، مراجعة الزراعات المستهلكة للماء، تقليص التسربات، إعادة استعمال المياه العادمة، وتسعير الماء بشكل أكثر عقلانية. لذلك يمكن القول إن الحكومة بدأت بناء الأمن المائي، لكنها لم تغيّر بعد النموذج المائي بالكامل.


سادساً: التعليم والصحة : أوراش استراتيجية لكنها ما تزال في منطقة الانتقال


في التعليم، أطلقت الحكومة برنامج مدارس الريادة، الذي توسع من 626 مدرسة في المرحلة التجريبية إلى 4.626 مدرسة ابتدائية عمومية في موسم 2025-2026، أي حوالي 54% من التعليم الابتدائي العمومي، مع استفادة أكثر من مليوني تلميذ وتعبئة حوالي 75 ألف أستاذ و960 مفتشاً. هذا توجه مهم لأنه يركز على التعلمات الأساسية، لا فقط على البنيات.


لكن الحكم النهائي لا يزال مؤجلاً. فإصلاح التعليم لا يقاس بعدد المدارس المنخرطة فقط، بل بنتائج القراءة، الحساب، اللغات، تراجع الهدر، وتحسن المدرسة العمومية مقارنة بالخصوصية. إلى الآن، الحكومة فتحت ورشاً استراتيجياً، لكنها لم تحقق بعد الدليل الوطني القاطع على تحول جودة المدرسة.


في الصحة، وسّعت الحكومة التغطية الصحية وأطلقت إصلاحات مؤسساتية، لكن المستشفى العمومي ما يزال يعاني من الاكتظاظ، ضعف الموارد البشرية، طول المواعيد، وتفاوت الخدمات بين المدن والقرى. لذلك، فإن الصحة مثال واضح على ملف استراتيجي من حيث الإطار، لكنه استعجالي في التجربة اليومية للمواطن. هناك إصلاح من فوق، لكن أثره من تحت ما يزال محدوداً.


سابعاً: الصناعة والتجارة الخارجية : تقدم في القاعدة الإنتاجية وتفاقم في العجز


في الصناعة، يظهر أن المغرب يواصل بناء موقعه في السيارات، الطيران، الفوسفاط ومشتقاته، والطاقات الجديدة. هذه قطاعات استراتيجية، لأنها تضع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية، وتفتح الباب أمام تموقع صناعي أقوى.


لكن التجارة الخارجية تكشف حدود هذا التحول. فقد بلغ العجز التجاري سنة 2025 حوالي 353,1 مليار درهم، مع واردات بلغت 822,2 مليار درهم مقابل صادرات في حدود 469,1 مليار درهم. هذه الأرقام تعني أن المغرب يصدر أكثر، لكنه يستورد أكثر أيضاً. لذلك فإن التصنيع لم يتحول بعد إلى سيادة إنتاجية كافية.


هذا واحد من أكبر تحديات المرحلة: لا يكفي أن نجذب الاستثمارات الصناعية، بل يجب أن نرفع المحتوى المحلي، ننتج المدخلات، نطور المقاولات الوطنية، ونقلص التبعية للاستيراد. هنا ما تزال الحكومة في بداية الطريق الاستراتيجي، لا في نهايته.


ثامناً: هل كانت الحكومة حكومة برنامج أم حكومة دولة؟


يمكن القول إن حكومة أخنوش اشتغلت في جزء منها كحكومة برنامج، وفي جزء آخر كحكومة دولة. اشتغلت كحكومة برنامج حين ركزت على وعودها الاجتماعية: الحماية الاجتماعية، الدعم المباشر، السكن، التعليم، الصحة. واشتغلت كحكومة دولة حين انخرطت في ملفات استراتيجية تتجاوز الزمن الانتخابي: التحلية، الاستثمار، السياحة، كأس العالم 2030، الصناعة، التحول الرقمي، والبنيات الكبرى.


لكن القفزة الحقيقية لا تتحقق فقط بفتح الملفات الاستراتيجية. القفزة تتحقق عندما تتحول هذه الملفات إلى نتائج في حياة الناس. هنا تظهر الفجوة الأساسية: الحكومة نجحت في إطلاق أوراش كبرى، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تحويلها إلى أثر اجتماعي واضح في التشغيل، القدرة الشرائية، جودة المدرسة، وجودة المستشفى.


اذا حكومة فتحت ملفات المستقبل لكنها بقيت مشدودة إلى استعجالات الحاضر:


حكومة أخنوش لم تكن حكومة استعجالات فقط، ولم تكن أيضاً حكومة تحول استراتيجي مكتمل. إنها حكومة انتقالية بين المستويين. تعاملت مع ملفات استعجالية ثقيلة، وفتحت أو سرّعت ملفات استراتيجية مهمة. لكنها لم تحقق بعد القفزة الشاملة التي تجعل المغرب ينتقل بوضوح من تدبير الأعطاب إلى بناء نموذج تنموي جديد كامل.


نقط القوة واضحة: الحماية الاجتماعية، السياحة، الاستثمار، الماء، دعم السكن، وبعض دينامية الصناعة. ونقط الضعف واضحة أيضاً: التشغيل، جودة الخدمات العمومية، العجز التجاري، العدالة المجالية، وإصلاح الإدارة.


لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس هل اشتغلت الحكومة أم لا. لقد اشتغلت. وليس هل فتحت أوراشاً استراتيجية أم لا. لقد فتحت. السؤال الحقيقي هو: هل أصبحت هذه الأوراش قادرة على إنتاج قفزة حقيقية؟ الجواب: بعضها بدأ يعطي نتائج، وبعضها ما يزال في مرحلة التأسيس، وبعضها لم يصل بعد إلى المواطن.


المغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى حكومة تدبر الاستعجالات، ولا فقط إلى حكومة تعلن الاستراتيجيات. يحتاج إلى حكومة تحول الاستراتيجية إلى أثر، والاستثمار إلى تشغيل، والتغطية الصحية إلى علاج، والمدرسة الجديدة إلى تعلم فعلي، والتحلية إلى أمن مائي، والسياحة إلى تنمية ترابية.