المغرب أطلق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطريق السريع بين تيزنيت والداخلة في الصحراء المغربية حديث النشأة.
والرئيس الأمريكي توجه بالشكر إلى الملك محمد السادس على هذه المبادرة من خلال رسالة نشرها في حسابه الشخصي بمنصة تروث سوشل مرفوقة بفيديو يظهر فيه هذا الطريق السريع، ومصحوبة بتعليق صوتي يعتبر هذا الإنجاز عظيما.
فهل في هذا الأمر ما يمكن أن يثير الاستغراب أو يدفع إلى اعتبار ذلك خارجا عن المألوف؟
لفهم هذه الخطوة الدبلوماسية وسياقها الطبيعي، يجب أولا استحضار الحصيلة الاستثنائية والمواقف التاريخية التي قدمها دونالد ترامب لمصلحة المملكة المغربية.
ففي ديسمبر 2020، اتخذ ترامب قرارا مفصليا غيّر موازين القوى الإقليمية، من خلال توقيعه مرسوما رئاسيا يعترف فيه رسميا وبشكل كامل بـسيادة المغرب على إقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب (الصحراء المغربية).
ولم يقتصر الأمر على الاعتراف بالسيادة فحسب، بل قرنت إدارة دونالد ترامب هذا الموقف بالدعم الصريح والمستمر لـمخطط الحكم الذاتي المغربي، باعتباره الحل الوحيد الجاد، الواقعي، وذا المصداقية لإنهاء النزاع المفتعل.
هذا الدعم الرئاسي من دونالد ترامب تُرجم أيضا بقرار فتح قنصلية أمريكية ذات طابع اقتصادي في مدينة الداخلة، وهو منعطف سيادي كبير استوجب تخليده في الجغرافيا الوطنية للمملكة عبر معلمة استراتيجية بحجم الطريق السريع الأطلسي.
الآن، دعونا ننظر إلى هذه المبادرة المغربية من زاوية القانون الدولي والعلاقات بين الأمم.
في شبه القارة الهندية، ليست جمهورية الهند الصاعدة بمنأى عن هذا التقليد الدبلوماسي، حيث قامت بتكريم الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب بإطلاق اسمه على شريان حيوي في واحدة من أكبر مدنها الواعدة.
ففي مدينة حيدر آباد، المركز التكنولوجي البارز، يحمل الشارع الرئيسي المحاذي لمجمع القنصلية الأمريكية رسمياً اسم «محج دونالد ترامب» (Donald Trump Avenue).
ولم يكن هذا الخيار وليد الصدفة، بل جاء ليعكس حجم الشراكة الاستراتيجية والاقتصادية المتنامية بين نيودلهي وواشنطن، مبرهنا على أن الدول الآسيوية الكبرى ترى في تسمية معالمها بأسماء القادة الأمريكيين رسالة سياسية بليغة تؤكد متانة التحالفات العابرة للقارات.
أما في فرنسا، فإن «مَحَج الرئيس ويلسون» (Avenue du Président-Wilson) الموجود في قلب العاصمة باريس، هو واحد من أشهر المعالم التي تجسد عمق هذا التقليد الدبلوماسي.
فعندما اختارت فرنسا، وهي مهد للدبلوماسية الحديثة، تكريم الرئيس الأمريكي الثامن والعشرين وودرو ويلسون Woodrow Wilson بإطلاق اسمه على شريان رئيسي يطل على برج إيفل، لم تكن تصنع استثناء، بل كانت تُقنن عُرفا دوليا راسخا يقوم على مبدأ الاعتراف بالجميل وتخليد المنعطفات التاريخية الكبرى المشتركة.
إن إطلاق أسماء الرؤساء والقادة على الشوارع، والطرق، والمدن عبر العالم هو ممارسة دبلوماسية معيارية شائعة.
فهذه التسميات تمثل أداة بروتوكولية رفيعة للتعبير عن الامتنان السياسي تجاه مواقف تاريخية ومصيرية غيرت مجرى الدول.
ويتجلى ذلك بوضوح في حالة جمهورية كوسوفو..
ففي العاصمة بريشتينا، يشكل «شارع بيل كلينتون» وتمثاله البرونزي الضخم رمزا حيا لإنقاذ شعب كامل من الإبادة خلال حرب البلقان. وهذا التكريم لا ينظر إليه الدبلوماسيون في كوسوفو على أساس أنه تدخل أمريكى في الشأن الداخلي، بل يعتبرونه شهادة وفاء وطنية لرئيس اتخذ قرارا شجاعا لحماية حلفائه.
والولايات المتحدة الأمريكية، القوة العظمى، هي نفسها تكرس هذا العُرف من خلال مبدأ المعاملة بالمثل.
فقد واظبت عبر تاريخها على تكريم قادة فرنسا على أرضها، حيث نجد «مَحَج الجنرال ديغول»
General De Gaulle Drive
يتوسط مدينة نيو أورلينز بلويزيانا، بينما تخلد ساحات واشنطن اسم الرئيس فرانسوا ميتران.
بل إن الرمز الأكبر للدبلوماسية الفرنسية التاريخية، الماركيز دي لافاييت، يُعد الشخصية الأجنبية الأكثر تكريما في أمريكا، إذ تقع «ساحة لافاييت» (Lafayette Square) أمام بوابة البيت الأبيض تماماً، فضلا عن وجود أكثر من 50 مدينة ومقاطعة أمريكية تحمل اسمه.
هذا التبادل الرمزي يبرهن على أن صياغة الجغرافيا بأسماء القادة الأجانب هي لغة دبلوماسية مشتركة ومقبولة بين الدول ذات السيادة.
وتكشف الشواهد التاريخية أن هذه الممارسة تتجاوز أسماء الشوارع لتصل إلى تسمية مدن وولايات كاملة دون أن يثير ذلك أي حساسية دولية، مثل «مونروفيا» عاصمة دولة ليبيريا الإفريقية، التي سُميت تيمنا بالرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو.
وفي أمريكا الجنوبية، تحمل مدينة وولاية «فيا هايز» (Villa Hayes) في باراغواي اسم الرئيس الأمريكي التاسع عشر Rutherford Birchard Hayes، الذي يُحتفى به هناك باعتباره بطلا قوميا بعد تحكيمه العادل لصالح بلدهم في نزاع حدودي تاريخي ضد الأرجنتين.
إن المملكة المغربية، باعتبارها فاعلا أساسيا في الساحة الدولية، ليست غريبة عن هذا العُرف الدبلوماسي، سواء بالنظر إليها كدولة مُكرِّمة أو دولة مُكرَّمة.
ففي الوقت الذي أطلقت فيه المملكة اسم "دونالد ترامب" على محورها الاستراتيجي الجنوبي تكريما لذكراه الدبلوماسية، نجد في المقابل أن الرموز السيادية المغربية حاضرة بقوة في جغرافيا العالم، حيث يحتضن قلب العاصمة الفرنسية باريس «ساحة محمد الخامس» (Place Mohammed-V)، وتضم عاصمة دولة الفاتيكان، روما، معالم بأسماء سلاطين مغاربة، بالإضافة إلى إطلاق اسم المغفور له الملك الحسن الثاني على شوارع وساحات كبرى في دول عربية وإفريقية متعددة، اعترافاً بالدور الذي قام به الملكان المغربيان الراحلان على مستوى السلام العالمي والوساطة الدولية.
إن البلدان والدول، ليست فقط تضاريس وخطوط ضمن خرائط جغرافية، بل هي ذاك النزوع الإنساني لتوثيق التحالفات الكبرى.
فمن محج ويلسون في باريس وساحة لافاييت في واشنطن، إلى طريق ترامب السريع في الأقاليم الجنوبية للمملكة، يظل إطلاق أسماء الرؤساء والقادة على المعالم الحيوية عُرفا دبلوماسيا راسخا ومستقلا عن التجاذبات الحزبية المؤقتة، ويترجم القرارات السياسية إلى شواهد مادية مرئية عابرة للأجيال وتُرسخ الشراكات الاستراتيجية بين الأمم.
وهذا ما كان.






