قبل أن نكون زملاء مهنة، هو في "الأحداث المغربية" وانا في "الإتحاد"، كنا زملاء دراسة في مرحلة الدراسات العليا بكلية الآداب بالرباط نهاية الثمانينات، وكنا جميعا من طلبة الدكتور محمد برادة والدكتور أحمد اليابوري والأساتذة بلمليح وأحمد بوحسن..
كان جمال ابنا وفيا لسيرة أصوله العائلية تلك الممتدة حتى فكيك، تلك القلعة الصامدة هناك في أقصى أقصى جغرافيات التهميش المغربية.. على قدر ما كان أيضا "ولد عين السبع"، بذات الجرس الذي كان يصنف به أبناء الأحياء في مدينة غول مثل الدارالبيضاء (ولد درب السلطان، ولد الحي المحمدي، ولد عين الشق، ولد البرنوصي، ولد لهجاجمة، ولد الحي الحسني، ولد سيدي عثمان، ولد سباتة، ولد الدايمة، ولد العنق،،، وهكذا).. فالانتماء للمكان في كازا صفة، وهي فعلا صفة لها أسباب اختلافها وتميزها.. فالفضاء يصنع الإنسان في مكان ما..
في قسم الدراسات العليا بكلية الآداب بالرباط كان جمال واحدا من مجموعة توصف عندنا ب "جماعة عين السبع" أذكر منهم يوسف الانطاكي الناقد الأدبي المحترم الذي تتسابق دور النشر المصرية على كتبه ودراساته حتى وهو من الحي المحمدي، ولحسن واريغ الزميل الهادئ جدا الخلوق الذي سيلتحق بدوره بيومية الأحداث المغربية..
تقوت علاقتي بواريغ والانطاكي ثم محمد مسعاد (الصحفي منذ سنوات بقناة دوتشيفله بألمانيا)، بينما ظل جمال ساكنا غربته الخاصة مكتفيا من العالم بقراءاته الفلسفية والأدبية والتاريخية الرصينة.. كان الكتاب صديقه وظل مكتفيا بعالمه الجواني.. قليل الكلام، بصوت خفيض تكاد تتبين كلماته بصعوبة، مع حزن دائم في العين عنوان عدم رضى عن الزمن المغربي.. كان يكاد يقول دوما "أش تاندير هنا"..
بقي تواصلنا متقطعا لسنوات حتى بلغني خبر مرضه الذي رافقه منذ سنوات..
اليوم غادر دنيا الأحياء ولد عين السبع وابن ثقافة فكيك السلوكية والرجل الصموت الذي قاوم من أجل حياة كريمة..
كان فيه كثير من عائلة زيد المثقفة بنزوعها اليسارية الوطنية، وليس اعتباطا أنها عائلة منحت للكتابة والصحافة بالمغرب اسمين محترمين ومختلفين هما جمال وحميد..
رحم الله جمال زيد وصادق العزاء لكل عائلة زيد الممتدة في مقدمتهم شقيقه حميد زيد..






