رأي

جواد شفيق: في زمن الحرب: أيام جميلة ب MOCKBA الآمنة

2 _ في خضم مسامرتنا التي طالت لساعات ، لا شيء كان يعلو على صوت الاحتفاء بالحياة ، رقصا و موسيقى و غناء و شرابا و ترنحا و غنجا ... الآلاف من كل الأجيال في أبهى زينتهم . زينة تليق بما وهبهم الله من بالغ الجمال كما يليق ببهاء مدينتهم و أضواءها و ساحاتها و حدائقها و نافوراتها و شوارعها و محلاتها ..الآلاف أقله في الجهة من العاصمة الروسية حيث كنا كانوا على هذه الحالة ، و معظم الحوالي عشرين مليون نسمة التي تحويها المدينة ، كانوا على ما نحن عليه الليلة بكل أرجاء المدينة التي لا تنام إلا عند انبلاج الصبح ..

في خضم مسامرتنا ، و بين "جغمة و لقمة " و دهشة مما أراه أمامي مناقضا تماما لما سمعته و قرأته عن الحرب على ضواحي موسكو ، كنت أتساءل :أين الحرب ؟ هل هذه عاصمة و شعب في حالة حرب ؟ 

قبل السفر ، بل و منذ بدإ الحرب الروسية الأوكرانية غالبا ما كنت أسمع و أقرأ عن طائرات مسيرة و صواريخ أوكرانية بمحيط و ضاحية موسكو ، و كنت أتصور أن صافرات الإنذار لا تتوقف ، و أن الانفجارات دائمة الدوي ، و أن محطات الميترو قد تحولت إلى ملاجئ ، كما كان عليه الحال زمن الحرب العظمى ، و أن السكان يعيشون حالة رعب يومي ، و أن شوارع المدينة قد هجرت ،و أن المحلات قد أغلقت ، و أن التموين صار يتم عبر طوابير لا متناهية ، و أن النقل غير منتظم ، و أن الماء و الكهرباء في انقطاع دائم ،و أن شبكات الاتصال قد أعطبت ، و أن المدارس و الجامعات قد أخليت ، و أن الإدارات و المؤسسات و المعامل و العمل و الخدمات و الفنادق و المستشفيات قد تعطلت ، و أن الدمار و الخراب قد عم الإنسان و البنيان ، و أن المتاريس و الجنود بكل مكان ، كما الأدخنة و روائح البارود و الجثث .. 

في حالات الحرب المستعرة هكذا تكون المدن و أكثر .

و لكن MOCKBA غير ذلك تماما.

 الملامح و السحنات و الوقائع أمامنا لا تشي بشيء من كل ما نعرفه عن الحرب .

تواترت أسئلتي لصديقي "ص_ع" ، و كانت ضحكته الجميلة المجلجلة جوابه.

ثم اختزل و اختصر : الحرب يا صديقي بعيدة جدا هناك على الحدود ، و الروس الذين هزموا هتلر متحكمون فيما يجري ، و لولا الناتو و الأمريكان و الغرب عموما ، الذي تقوم أوكرانيا بحرب بالوكالة نيابة عنه ، لكانت أوكرانيا قد سقطت بكاملها ، و العاصمة التي تضرب بسهولة هي "كييف" ، و أما موسكو فها أنت ترى . 

فعلا ، ليس من سمع كمن رأى .

و قد رأيت ، حياة عادية و مدينة آمنة ، و لا مظهر واحد من مظاهر الحرب ، على الأقل هنا حيث الشغف بالحياة و مباهجها في لامنتهائيته . و حيث الناس يعملون و ينشطون و يدرسون و يتنقلون و يأكلون و يمشون في الأسواق في منتهى طمأنينتهم و أمنهم.

صحيح أن يوما واحدا و ليلة واحدة غير كافيين لإصدار تقييمات و أحكام ، و لكن "حالة الدار على باب الدار" .

فمنذ نزولي بالمطار ، و في الطريق إلى الفندق ، و بالفندق و بالساحة الحمراء و بالمركبات التجارية التي زرتها و بالمطعم المفتوح على الهواء الطلق الذي قضينا به ليلتنا ، و بالشوارع التي تمشينا فيها ، و على وجوه الناس ، و في حركتهم و أحاديثهم و هندامهم و نشاطهم ...لا شيء يوحي بأن هذه البلاد في حالة حرب ، أو على الأقل عاصمتها . 

و مع ذلك ، ظل حذري يرافقني .

ربما يطلعنا مستضيفونا على بعض معطيات ؟ 

ربما تنز هنا أو هناك بعض مظاهر خلال مقامنا ؟ 

ماذا ،لو ألقينا نظرة على إعلامهم ؟ 

لننتظر ..

طالت مسامرتنا ، و زاد الشغف مع ازدياد حدة نغمات المجموعات الموسيقية التي كانت مبثوثة بكل ساحة و زاوية في الفضاء العام كما في الفضاءات الخاصة ، يرافقها الرقص و الصخب ..

و ، و لا حادث واحد ، مشاجرة أو مناكفة .

الاحترام سيد المكان .

و إنسان MOCKBA و عالمها فتان .

ثم كان لازما أن ننتبه ، صديقي "ص_ع" و عيبان و أنا إلى أننا على أعتاب الفجر ، و نحن ملتزمون بانطلاق الافتتاح الرسمي للمنتدى على الساعة العاشرة صباحا بالضبط . 

عدنا راجلين إلى الفندق .

فريق عمل و إدارة المنتدى لا زال هنا يقظا .

ابتسامتهم طافحة ، و لا تحس أبدا بأنها مصطنعة.

سلموا كل واحد منا حقيبة المنتدى .

بادج ، جاكيت ، قميص قطني ، كاسكيط ،كتيب البرنامج العام ، دفاتر ، أقلام .. كل شيء أحمر قان .

لون و علامة تميز رفاقنا.

مع حالة الانشراح و الاسترخاء التي كنا عليها ، و حالة الترقب لما سيكون عليه الافتتاح و المنتدى عموما ، خاصة و أن مجموع مظاهر التحضير و التنظيم تشي بأننا إزاء حدث كبير ، فقد كانت ساعات قليلة من النوم متبوعة بحمام صباحي دافئ و قهوة سوداء بالغرفة كافية لنسترجع كامل لياقتنا و حيويتنا استعدادا ل le jour J / الافتتاح ..

ترى كيف سيكون ؟ 

إلى حلقة أخرى .