منذ صافرة النهاية، بدأت آلة التهويل تشتغل بأقصى طاقتها:
“الفراعنة يعودون!”
“مصر تكتب التاريخ!”
“بداية الهيمنة العالمية!”
ولوهلة، قد تظن أن مصر رفعت الكأس، أو على الأقل وصلت لنصف النهائي… لكن الحقيقة؟ مجرد فوز في مباراة من دور المجموعات، لا أكثر ولا أقل. ومع ذلك، الطريقة التي تم بها تقديم الحدث جعلته يبدو وكأن الكرة الأرضية توقفت احترامًا لهذا الإنجاز.
التحليل بعد المباراة كان أكثر إثارة من المباراة نفسها:
محللون يتحدثون عن “تحول جذري في ميزان القوى العالمي”،
مقالات تتنبأ بعصر ذهبي قادم،
وبرامج تلفزية تناقش كيف ستتعامل المنتخبات الكبرى مع “المد المصري القادم”!
حتى الهدف الذي سُجل… لم يعد مجرد هدف، بل أصبح “لحظة تاريخية ستُدرّس للأجيال”، والحارس تحول إلى بطل قومي، والدفاع إلى جدار برلين جديد!
ثم تأتي المقارنة التي لا تُفوّت:
“هذا ما فعله المغرب… ونحن نسير على نفس الطريق!”
وهنا تحديدًا تبدأ الكوميديا الحقيقية.
لأن ما فعله المغرب في كأس العالم 2022 لم يكن مجرد فوز، بل مسار كامل: انتصارات، إقصاء منتخبات كبرى، وصول إلى نصف النهائي، وصناعة لحظة تاريخية غير مسبوقة عربيًا وإفريقيًا.
بينما في الجهة الأخرى… نحن أمام “بداية مشروع” مبني على مباراة واحدة!
أما رد الفعل المغربي؟
هادئ جدًا… بل يكاد يكون غير موجود.
لا حملات إعلامية، لا مقارنات، لا صخب. فقط نظرة بسيطة وكأن الرسالة تقول:
“مبروك… البداية زوينة، وكملو الطريق.”
لكن في المقابل، الحماس المصري كان في مستوى نهائي كأس العالم:
احتفالات، تحليلات لا تنتهي، وثقة مفاجئة بأن القادم أعظم… رغم أن التاريخ القريب يقول إن الطريق ما زال طويلًا جدًا.
الجميل في القصة أن الفرح حق مشروع، ولا أحد ينكره.
لكن تحويل لحظة عادية إلى “أسطورة خالدة” يحتاج موهبة خاصة… ليست في كرة القدم، بل في الكتابة الدرامية!
وفي النهاية، يمكن تلخيص المشهد بكل بساطة:
هناك من يصنع الإنجاز عبر سلسلة من المباريات والتحديات،
وهناك من يصنع “الإنجاز” من مباراة واحدة… ويترك للبقية مهمة التصفيق.






