مجتمع وحوداث

بيجين +30.. حين تتحول التوصيات إلى سياسات.. والمغرب يراهن على التنفيذ

سعيد التمسماني (محلل سياسي)
بعد ثلاثين عاماً على اعتماد إعلان ومنهاج عمل بيجين، لم يعد النقاش الدولي حول حقوق النساء والفتيات يدور حول إنتاج المزيد من الالتزامات أو صياغة معايير جديدة، بل أصبح يتمحور حول سؤال أكثر جوهرية: كيف يمكن تحويل هذا الرصيد الضخم من التوصيات والالتزامات الدولية إلى سياسات عمومية فعالة تُحدث أثراً حقيقياً في حياة النساء والفتيات؟

هذا التحول كان في صلب النقاش الذي احتضنته جنيف بمناسبة الذكرى الثلاثين لمسار بيجين، حيث برز توجه دولي متزايد يعتبر أن المرحلة الراهنة هي مرحلة التنفيذ والتتبع والقياس، لا مرحلة التشخيص وإعادة صياغة المبادئ. وفي هذا السياق، جاءت مشاركة المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان لتسلط الضوء على أحد أهم التحولات التي تعرفها منظومة حقوق الإنسان على الصعيد العالمي، والمتمثل في تنامي دور الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع باعتبارها جسراً عملياً بين الالتزامات الدولية والسياسات الوطنية.

لقد أظهرت التجربة الدولية أن التحدي لم يعد يكمن في ندرة المعايير أو محدودية المرجعيات. فخلال العقدين الأخيرين، أصدرت آليات الأمم المتحدة آلاف التوصيات المتعلقة بالمساواة بين الجنسين وحقوق النساء والفتيات. غير أن القيمة الحقيقية لهذه التوصيات تظل رهينة بقدرة الدول على إدماجها في السياسات العمومية وتحويلها إلى برامج وإجراءات ومؤشرات قابلة للقياس والتقييم.

ومن هنا تبرز أهمية المقاربة التي تدافع عنها المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، والتي تقوم على تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات الوطنية المعنية، وترسيخ التملك الوطني للالتزامات الدولية، بما يجعل تنفيذ التوصيات مسؤولية جماعية ومشتركة وليست مجرد التزام إداري أو إجراء تقني مرتبط بإعداد التقارير.

فالرهان الذي تشتغل عليه المندوبية يتجاوز بكثير وظيفة التتبع والتنسيق، ليصل إلى المساهمة في بناء ثقافة مؤسساتية جديدة تجعل من الالتزامات الدولية رافعة لتطوير السياسات العمومية وتحسين الحكامة وتعزيز فعالية البرامج الوطنية. وهي رؤية تنسجم مع التوجهات الحديثة للأمم المتحدة التي تدعو إلى اعتماد مقاربة “إشراك المجتمع بأكمله”، من خلال تعبئة الحكومة والبرلمان والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني والجامعات والشركاء الدوليين حول أهداف مشتركة.

وفي الواقع، فإن التجربة المغربية في هذا المجال بدأت تفرض حضورها داخل العديد من النقاشات الدولية باعتبارها نموذجاً يسعى إلى الانتقال من منطق التفاعل الظرفي مع الآليات الأممية إلى منطق التدبير الاستراتيجي للالتزامات الدولية. ويشكل العمل الذي تقوم به المندوبية الوزارية أحد الأعمدة الأساسية لهذا التوجه، من خلال تطوير آليات التنسيق والتتبع وتوفير فضاءات للحوار والتشاور بين مختلف الفاعلين.

كما أن حضور المندوبية في المحافل الدولية لم يعد يقتصر على عرض التجربة الوطنية، بل أصبح يساهم في إثراء النقاش الدولي حول أفضل السبل الكفيلة بتعزيز فعالية تنفيذ التوصيات الأممية، خاصة في القضايا المرتبطة بالمساواة بين الجنسين وتمكين النساء والفتيات.

إن الرسالة الأساسية التي حملتها جنيف هذه السنة واضحة: مستقبل حقوق النساء لن يُبنى عبر إنتاج المزيد من النصوص، بل عبر بناء مؤسسات أكثر قدرة على التنفيذ والتنسيق والتقييم. وفي هذا الإطار، تبدو الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والتتبع إحدى أهم الأدوات الواعدة لتقليص الفجوة بين الالتزام والإنجاز.

وبالنسبة للمغرب، فإن ما تحقق خلال السنوات الأخيرة يؤكد أن بناء منظومة وطنية متكاملة لتتبع تنفيذ الالتزامات الدولية أصبح خياراً استراتيجياً يرسخ مكانة المملكة كفاعل مسؤول ومنخرط في تطوير المنظومة الدولية لحقوق الإنسان. كما يعكس الدور المتنامي الذي تضطلع به المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان باعتبارها فاعلاً مؤسساتياً يشتغل على تحويل التوصيات الدولية من وثائق مرجعية إلى مسارات إصلاحية عملية تساهم في تعزيز الحقوق والحريات ودعم مسار التنمية الشاملة.

ثلاثون عاماً بعد بيجين، لم يعد النجاح يقاس بعدد الالتزامات المعلنة، بل بمدى القدرة على تحويلها إلى واقع ملموس. وفي هذا الرهان بالذات، يبرز العمل الذي تقوده المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان كجزء من دينامية وطنية تسعى إلى جعل التنفيذ الفعلي للالتزامات الدولية عنواناً لمرحلة جديدة من الإصلاح والنجاعة والأثر.