-1-
مقدمة: إشكالية الطبيعة القانونية لحسابات الإيداع
أثار مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة نقاشا واسعا بشأن إخضاع حسابات الإيداع الخاصة بهيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات. وينطلق الرأي الرافض لهذه الرقابة من كون الأموال المودعة في هذه الحسابات ليست أموالا عمومية، وإنما هي أموال خاصة تعود ملكيتها للموكلين أو للغير، وبالتالي فإنها تخرج عن المجال الطبيعي لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات باعتباره الجهاز الأعلى لمراقبة المالية العمومية.
غير أن هذا التحليل، رغم وجاهته من حيث توصيف الطبيعة الخاصة للأموال، لا يحسم في المسألة القانونية، لأن الاختصاص العام للمجلس الأعلى للحسابات لا يتحدد فقط بطبيعة الأموال، وإنما أيضا بالنظام القانوني الذي يحكمها وبالاختيارات التي يقررها المشرع كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك.
ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الأموال خاصة أم عامة؟ وإنما: هل يجوز للمشرع أن يخضع فئة من "الأموال الخاصة المنظمة « « deniers privés réglementésلرقابة المجلس الأعلى للحسابات بالنظر إلى أهميتها وحساسيتها وارتباطها بالمصلحة العامة؟
-2-
"الأموال الخاصة المنظمة" من منظور القانون العام المالي
من منظور القانون العام المالي، لم يعد معيار الملكية العامة هو المعيار الوحيد الذي يحدد مجال الرقابة المالية الدستورية، بل أصبح النظام القانوني للأموال ووظيفتها الاقتصادية والاجتماعية معيارا لا يقل أهمية.
وفي هذا الإطار، يمكن، من منظور فقهي، الحديث عن فئة من الأموال الخاصة التي يحيطها المشرع بتنظيم قانوني خاص، وهي "الأموال الخاصة المنظمة ". ولا يتعلق الأمر بفئة قانونية مستقرة أو مصطلح تشريعي قائم بذاته، وإنما بتوصيف فقهي يقصد به الأموال التي تبقى مملوكة للأشخاص الخواص، إلا أن المشرع يحيطها بنظام قانوني خاص بسبب أهميتها أو ارتباطها بحقوق الغير أو بالنظام العام الاقتصادي أو بحماية الثقة العامة.
ويندرج ضمن هذه الفئة عدد من الأنظمة القانونية، من أبرزها الأموال المودعة لدى صندوق الإيداع والتدبير، والتي تظل مملوكة لأصحابها ولا تنتقل ملكيتها إلى الصندوق، ومع ذلك فإن تدبيرها يخضع لتنظيم قانوني دقيق ولمقتضيات رقابية بالنظر إلى الوظيفة التي تؤديها. وهي تخضع وجوبا لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
وينطبق المنطق نفسه على حسابات الإيداع الخاصة بهيئات المحامين، فهي ليست جزءا من الذمة المالية للهيئة ولا للمحامي، وإنما تمثل وعاء قانونيا لحفظ أموال الغير وفق قواعد يحددها القانون، بما يجعلها أقرب إلى "الأموال الخاصة المنظمة" منها إلى الأموال الخاصة العادية.
-3-
السلطة التقديرية للمشرع في إسناد "مهام
خاصة" للمجلس الأعلى للحسابات
لا يقتصر الاختصاص العام للمجلس الأعلى للحسابات على ما يتعلق بالميزانية العامة للدولة، بل إن التجربة الدستورية والتشريعية المغربية تؤكد أن المشرع سبق أن أسند إليه اختصاصات خاصة كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك.
فالمجلس يمارس اختصاصات في مجال التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية. باعتبارها "مهمة" مسندة من مشرع 1979 ومشرع 2002. كما أسند له منذ سنة 2009 وبموجب قانون خاص لم يتم إدماجه بمدونة المحاكم المالية سوى سنة 2015 "مهمة" مراقبة وتتبع التصريح الإجباري بالممتلكات الذي يعتبر المغرب حالة فريدة فيه لأن هذه المهمة تتولاها منطقيا وعادة هيئات مكافحة الفساد وليس المجالس العليا للحسابات...
وتتميز هذه "المهام المسندة" بأنها لا تمثل جميعها رقابة تقليدية على الأموال العمومية، وإنما تعكس إرادة المشرع في الاستعانة بالمجلس باعتباره مؤسسة دستورية مستقلة لضمان الشفافية والنزاهة والحكامة.
ومن ثم فإن إسناد "مهمة خاصة" للمجلس تتعلق بمراقبة انتظام تدبير حسابات الإيداع الخاصة بالمحامين لا يشكل خروجا عن فلسفة الدستور، وإنما امتدادا لاختيارات تشريعية سبق أن اعتمدها المشرع في مجالات أخرى. وليس في قانون المحاكم المالية ما يمنعه قطعا.
-4-
إذن، لنتفق على أمر مرجعي أساسي، فهناك مشروعية المبدأ وهناك كيفيات التطبيق. فمن حيث المبدأ، يمكن للسلطة التشريعية أن تُخضع بعض الأموال أو الأنشطة الخاصة (مثل ودائع تُودَع لدى محامين أو هيئات مهنية) لرقابة جهاز قضائي مستقل ومتخصص مثل المجلس الأعلى للحسابات إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة، لأن المشرّع يملك صلاحية تنظيم آليات الشفافية والرقابة في إطار الدستور كما أن تعزيز الثقة العامة وتحصين مرفق العدالة من المخاطر والمنزلقات تعتبر أهدافا قمينة بتبرير هذا الصنيع التشريعي .
أما من حيث كيفيات التطبيق، فيتعين أن يكون هذا الإخضاع:
محدداً بنص قانوني واضح وهو أمر حاصل
مبرراً بالمصلحة العامة أيضا محقق
متناسباً مع الهدف وهذا متوفر من قراءة الصياغة المقترحة
ومحترماً لاستقلال المهنة والسر المهني والحقوق الأساسية، وهذا ما لا يمكن المجادلة فيه مبدئيا أمام حضور المجلس الاعلى للحسابات
لذلك:
المبدأ يسمح بالإمكانية، لكن التطبيق مقيد بضوابط دستورية وأخلاقية لضمان عدم المساس باستقلالية المهنة أو تحويل الرقابة إلى تدخل شامل في شؤون خاصة.
-5-
القراءة الدستورية للفصلين 147 و148
قد يستند الرافضون لهذه الفكرة إلى الفقرة الأولى من الفصل 147 من الدستور التي تنص على أن المجلس الأعلى للحسابات هو "الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية". غير أن القراءة المتكاملة والمترابطة للفصل نفسه تؤدي إلى نتيجة أكثر دقة. فالفصل 147 ينص على أن المجلس يراقب كذلك "الأجهزة الخاضعة لرقابته بموجب القانون". وهذه العبارة تشكل إحالة دستورية صريحة على القانون لتحديد نطاق الجهات الخاضعة لرقابة المجلس.
وبالتالي فإن الدستور لم يحصر بشكل مغلق جميع الهيئات الخاضعة للرقابة، بل فتح المجال للمشرع لتحديدها كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك، في حدود احترام الوظيفة الدستورية للمجلس. كما أن اختصاصات المجلس لا تقتصر على مراقبة المالية العمومية بالمعنى الضيق، بل تمتد إلى مجالات مرتبطة بالشفافية والحكامة، وترسيخ الثقة العامة، مثل التأديب المالي وتتبع التصريحات الإجبارية بالممتلكات ...
أما الفصل 148 فقد أكد أن المجلس يساعد الحكومة في المجالات الداخلة في اختصاصه بمقتضى القانون، وهو ما يعزز مركزية القانون في تحديد وتوسيع بعض وظائف المجلس. وللمقارنة التاريخية فالمجالس الجهوية للحسابات مارست "مهمة" التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية بموجب القانون من سنة 2004 إلى سنة 2011، دون أن يكون لذلك أساس في دستور 1996 الذي اقتصر على التنصيص على إسناد هذه المهمة للمجلس الأعلى للحسابات دون المجالس الجهوية للحسابات.
-6-
المصلحة العامة والتزامات المغرب الدولية في مجال الشفافية المالية والنزاهة
الأصل أن المجلس الأعلى للحسابات يمارس رقابته على المالية العمومية، غير أن هذا الأصل لا يمنع المشرع من إقرار استثناءات تبررها المصلحة العامة. فالدستور لا يضع نظاما مغلقا للاختصاصات، بل يحدد الإطار العام ويترك للقانون سلطة التفصيل والتنظيم.
وبناء على ذلك، فإذا تبين للمشرع أن حسابات الإيداع الخاصة بالمحامين تتسم بحساسية خاصة، وتمس الثقة في مرفق العدالة، فإنه يملك أن يسند رقابتها إلى المجلس الأعلى للحسابات، في حدود رقابة استثنائية ومحددة، دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير طبيعة الأموال أو المس باستقلال المهنة.
ويكتسي هذا البعد أهمية خاصة، لأن المغرب أصبح جزءا من منظومة دولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، في إطار التزاماته مع مجموعة العمل المالي (FATF/GAFI). وتؤكد هذه المنظومة على ضرورة إخضاع المهن القانونية، بما فيها مهنة المحاماة في بعض العمليات، لأنظمة فعالة للرقابة الداخلية، وتدبير المخاطر، وحفظ السجلات، وإمكانية التتبع عند الاقتضاء، مع احترام السر المهني.
ولا تعني هذه التوصيات أن مجموعة العمل المالي تفرض جهة رقابية محددة، بل تكتفي بفرض وجود رقابة فعالة ومستقلة وقائمة على المخاطر. كما أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تدعو إلى تعزيز الشفافية وترسيخ آليات المساءلة.
ومن ثم فإن إسناد هذه المهمة إلى المجلس الأعلى للحسابات يظل خيارا وطنيا مشروعا، ينسجم مع هذه الالتزامات دون أن يكون مفروضا دوليا بشكل مباشر.
-7-
اعتراضات مردود عليها
قد يثار أن إخضاع حسابات الإيداع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات قد يمس باستقلال مهنة المحاماة أو باستقلال هيئاتها المهنية. غير أن هذا الاعتراض يمكن مناقشته من زاويتين:
من جهة أولى، فإن استقلال المهنة لا يمنع إخضاع الجوانب المالية المنظمة بقانون لرقابة مؤسساتية، شريطة ألا تمتد هذه الرقابة إلى جوهر ممارسة الدفاع أو السر المهني.
ومن جهة ثانية، فإن مبدأ التناسب يفرض أن تكون الرقابة محددة وضرورية ومرتبطة بهدف مشروع يتمثل في حماية أموال الغير وضمان الثقة في مرفق العدالة.
كما أن التجارب المقارنة تُظهر أن تنظيم ورقابة أموال العملاء لدى المحامين يختلف من دولة إلى أخرى، بين نماذج تعتمد الهيئات المهنية، وأخرى تعتمد هيئات رقابية مستقلة، دون أن يمس ذلك بمبدأ استقلال المهنة، ما دام نطاق الرقابة محددا بدقة.
إن الرقابة المقترحة لا ينبغي أن تنصرف إلى النشاط المهني للمحامي أو مضمون الملفات أو العلاقة بين المحامي وموكله، لأن ذلك يدخل في نطاق السر المهني وضمانات الدفاع واستقلال المهنة.
وإنما يجب أن تقتصر على مراقبة انتظام تدبير حسابات الإيداع، واحترام قواعد المحاسبة، وفعالية أنظمة الرقابة الداخلية، وتتبع العمليات المالية، وضمان حقوق المودعين.
-8-
ختاما
إن إخضاع حسابات الإيداع الخاصة بهيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يستند إلى اعتبار هذه الأموال أموالا عمومية، وإنما إلى اعتبارها "أموالا خاصة منظمة"، أحيطت بنظام قانوني خاص بسبب ارتباطها المباشر بحماية حقوق المتقاضين والثقة في مرفق العدالة. كما أن الفصلين 147 و148 من الدستور لا يمنعان المشرع من إسناد اختصاصات خاصة للمجلس، بل يتيحان له ذلك عبر الإحالة على القانون.
وعليه، فإن للمشرع، متى ثبتت ضرورة ذلك للمصلحة العامة، أن يحدث اختصاصا استثنائيا ومحددا للمجلس الأعلى للحسابات، يقتصر على مراقبة حكامة وتدبير حسابات الإيداع، دون المساس بالطبيعة الخاصة للأموال أو باستقلال مهنة المحاماة أو بالسر المهني.
ويضاف إلى ذلك أن تطور القانون المالي العام المعاصر يفرض الانتقال من رقابة الشكل القانوني للمال إلى رقابة الواقع الفعلي لتدبيره كلما تعلق الأمر بحماية المصلحة العامة.
ويظل نجاح هذا الاختيار التشريعي رهينا بصياغة قانونية دقيقة تضمن التوازن بين متطلبات الحكامة المالية وصيانة استقلال المهنة، وفق مبدأ التناسب الذي يشكل أحد ركائز الرقابة الدستورية على القوانين.
والآن، بعد أن تناولنا القانون الداخلي العام المغربي ، ماذا عن القانون والمعايير والممارسات الفضلى الدولية المتعلقة على الخصوص بمجال وحدود اختصاص الاجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة بهذا الشأن؟ ذلك ما سنراه بتفصيل في مقالتنا التأملية المقبلة التي نشتغل عليها حاليا.
ا






