رياضة

خطابٌ إلى أسود الأطلس عشيّةَ لقاء الفرنسيس

سعيد ناشد (مفكر)

سلام الله عليكم، والعاقبة لأهل العزم والإقدام، أما بعد:

فيا فتيةَ المغرب، ويا أسودَ الأطلس، ويا مَن عُقدت عليكم قلوبُ شعب من طنجة إلى الكويرة، ومن وراء البحار حيث يبيت المهاجرون على جمر الشوق:

اعلموا أنكم غدًا على موعدٍ ليس كسائر المواعيد، وأن خصمكم عريقٌ في الصنعة، طويلُ النَّفَس، لا يُؤتى من قلّة حيلة، ولا يَضعف لأول جراح. فمن ظنّ أن المعركة تُحسم في أولها فقد جهل طبائعها، ومن حسبها شوطًا واحدًا خانه الشوط الثاني.

فأما وصيتي الأولى، فالتركيز، ثم التركيز، ثم التركيز؛ من أول صافرةٍ إلى آخرها، لا تغفلوا طرفة عين، فالمباريات كالدهر الذي لا تصيبنا نوائبه إلاّ في لحظات السهو. وكم من فريقٍ ظل يقظًا تسعين دقيقة ثم نام دقيقةً واحدة، فكانت عليه حسرةً وندامة.

وأما الثانية، فالاتعاظ بمن سبقكم: فكم من قومٍ سجّلوا أهدافا مبكرة فظنّوه الفتحَ المبين، وتراخت سواعدهم، وركنوا إلى ما أصابوا، فما أمسى المساء إلا وقد انقلب لهم الغُنم غُرمًا. فإن رزقكم الله هدفًا في أول الأمر، فعُدّوه بداية الجدّ، وقولوا في أنفسكم: الآن حَمِيَ الوطيس.

وأما الثالثة، فاجتنبوا شيطان الغضب، فإنه جمرةٌ في الصدر تأكل التركيز كما تأكل النارُ الحطب. ما دخل الغضبُ قلبَ لاعبٍ إلا وخرجت منه النباهة. فإذا غلى في صدر أحدكم فليكظمه، فإن الكاظمين هم الغالبون.

وأما الرابعة، فالاستفزاز: قد يرميكم أحد بكلمة جارحة، أو حركة مريبة، أو دفعة خفية عن أعين الحكام، ابتغاء زلّتكم. فمن استُفزّ فأجاب فقد أعطى خصمه ما لم يستطع أخذه باللعب، ومن صبر فقد ردّ السهم إلى راميه. فكونوا كالجبل: تعصف به الريح ولا يتزحزح.

ثم اعلموا أن أخطاء التحكيم واردةٌ لا محالة، بصرف النظر عن النوايا؛ فالنوايا غيبٌ لا سلطان لكم عليه، ولا ينفعكم الخوض فيه. فهذه الأخطاء لا تحضر إلا في المنطقة الرمادية: في الكرة المشتركة التي تحتمل الوجهين، وفي اللمسة التي تقبل التأويلين. فمن أخلى ملعبه من الرماد لم يجد الحَكم إليه سبيلًا، ومن ترك بابًا مواربًا فلا يلومنّ إلا نفسه. فإن مزاج التحكيم لا يملك من أمر المباراة إلا النزرَ اليسير من الميزان، أما الحسم فلا يكون إلا بالإِقدام والأَقدام. 

فادخلوا الميدانَ دخولَ من يعلم أنّ وراءه شعبًا يدفعه، وفوقه تاريخًا يظلّله، وأمامه شرفًا لا يُنال بالشكوى ولا يُدرَك بالتذمر، وإنما يُنتزَع انتزاعًا. والبسوا العزمَ كما تلبسون القميص. واذكروا أمًّا تدعو لكم في جوف الليل، وطفلًا ينام وقميصُكم فراشُه، ومهاجرًا في أقاصي الأرض لا يحمل من وطنه إلا اسمَه ورايتَه. فكونوا عند حسن الظن بكم، وأروا الدنيا أن أسود الأطلس إذا صدقت عزائمُها لا تُغالَب. والله المستعان.