قضايا

الإحالة الدستورية.. هل أنهت مبررات التوقف؟

زهير حميدوش (باحث في القانون)
يثير استمرار هيئات المحامين في التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، رغم إحالة مشروع القانون المنظم للمهنة، بعد المصادقة عليه، على المحكمة الدستورية، نقاشا متزايدا حول مدى مشروعية استمرار هذا الشكل الاحتجاجي بعد انتقال النص إلى مرحلة الرقابة الدستورية. وقد ذهبت بعض الأصوات إلى اعتبار أن مجرد الإحالة على المحكمة الدستورية يُفقد التوقف مبرراته، باعتبار أن المؤسسة الدستورية المختصة باشرت بعد الإحالة اختصاصها، وأن الخلاف انتقل من فضاء المهني إلى المجال القضائي الدستوري.

غير أن هذا الطرح ينطوي على قدر من الالتباس، لأنه يفترض أن سبب الاحتجاج كان مرتبطا حصرا بالمسار التشريعي لمشروع القانون، بينما انصب، منذ البداية، على مضمون المقتضيات التي تضمنها النص. فقد انصرفت تحفظات هيئات المحامين، كما تعكسها بياناتها ومواقفها، إلى مقتضيات بعينها، اعتبرت أنها تمس بمكتسبات تاريخية للمهنة، وتعيد رسم حدود العلاقة بين المحامي ومحيطه المؤسساتي على نحو يستوجب إعادة النظر. ومن ثم، فإن اختزال أسباب التوقف في مجرد انتظار الحسم الدستوري يفضي إلى قراءة مبتورة لطبيعة الخلاف القائم.

وإذا كانت المحكمة الدستورية تملك صلاحية البت في مدى مطابقة النص للدستور، فإن اختصاصها يظل محصورا في نطاق الرقابة الدستورية، ولا يمتد إلى تقييم الملاءمة المهنية أو تقدير الأثر العملي لبعض المقتضيات على ممارسة المهنة. فقد يكون النص مطابقا للدستور، ومع ذلك يبقى محل رفض أو تحفظ من قبل الفاعلين المعنيين به. فالدستورية شيء، والقبول المهني أو السياسي أو الاجتماعي شيء آخر.

وعليه، فإن القول بأن إحالة القانون على المحكمة الدستورية تقتضي، بالضرورة، إنهاء جميع أشكال الاحتجاج، يفترض ضمنا أن موضوع الاحتجاج قد انتفى، والحال أن الأمر يتعلق بمستويين مختلفين، مستوى دستوري، تتولاه المحكمة الدستورية، ومستوى مهني ومطلبي، يظل قائما ما دامت أسباب الاعتراض على مضمون القانون لا تزال قائمة.

ولا شك أن إحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية تشكل محطة دستورية مهمة، غير أنها لا تفضي، بالضرورة، إلى تعديل المقتضيات محل الخلاف، متى كانت هذه الأخيرة تدخل في نطاق السلطة التقديرية للمشرع. ذلك أن المحكمة الدستورية درجت، في اجتهاداتها، على إقرار دستورية اختيارات المشرع متى لم يشبها غلو، ولم تمس بالمقتضيات أو المبادئ الدستورية.

ومن ثم، فإن مجرد الإحالة، من الناحية المبدئية، لا يعني زوال أسباب الاعتراض، ما دام هذا الأخير موجها إلى مضمون القانون ذاته وإلى الاختيارات التشريعية التي يتضمنها، والتي ترى جمعية هيئات المحامين بالمغرب أنها انحرفت عن التوافقات التي أفرزها مسار الحوار الذي جمعها برئيس الحكومة بشأن مشروع القانون. وهي اختيارات لا تزال، في مجملها، محل اعتراض مبدئي من قبل الهيئات المهنية.