قضايا

أرى واقعية ولا أرى واقعا! .. بحثا عن الواقع وضد واقعية أناس لا واقعيين

عبد الحميد جماهيري (كاتب صحفي)

يكثر في الآونة الحالية حديث أناس بعينهم عن الواقعية والواقعية المنشودة في تحليل السياسة وقراراتها والاقتصاد وإكراهاته.

حديث من نوع السراب السياسي: الذي يكثر من الحديث عن الواقعية هو الذي يسعى، شعوريا أو لا شعوريا، إلى نفيها!!

لأن هذه العينة من الذين يتحدثون عن الواقع، تبين وقائع حياتهم أنهم بعيدون عنه:

وزراء، خطباء ميسورون، أصحاب بدلات راقية بيضاء يحملون مشارط في أياديهم يفصلون بها الواقع…

ويبدو من حياتهم أنهم بدأوا وفي أفواههم ملعقة من ذهب، وهي صورة مجازية تبين بأنهم في غير واقع الناس.

الواقع أنهم يبدأون الحياة ميسورين للغاية…

يبدأون العد في الأبناك انطلاقا من عشرات الأرقام في حساباتهم،

حتى إننا نسأل أي رقم واقعي صادفوه في حياتهم ( السميك مثلا. القروض مثلا. الخصاص المزمن مثلا. الدعم المباشر مثلا ؟).

حتى إننا نسأل أين يمكنهم يا ترى أن يصادفوا الواقع وهم لا يزورون الأسواق، ولا يعرفون بائعات الخبز، ولا يعرفون ولو القليل عن العاطلين، ولا يركبون النقل العمومي، ولم يسبق لهم أن جاعوا، ولا ينتظرون أمام المستشفيات، ولا يتزاحم أبناؤهم فوق مقاعد مكتظة في المدارس العمومية، ولا يتزاحمون في الشواطئ الصيفية، ولا يبحثون عن الظل في الحافلات وفي القطارات الصيفية البطيئة…

ومن واقعيتهم أن هذه المقاربات لا تظهر إلا عندما يكون رزق البسطاء والفقراء وصحتهم وتعليمهم موضوع الحديث…

كونوا واقعيين واتركوا الدولة ترفع يدها عن الصحة وعن التعليم!

كونوا واقعيين واقبلوا بقانون الحروب في غلاء الأسعار وفي ارتفاع أثمنة الأدوية!

كونوا واقعيين واتركوا المصالح تتضارب بينها في أعلى السلطة!

كونوا واقعيين ولا تبالغوا في أجرة الوزراء، فهي لا تسمنهم ولا تغنيهم من جوع!

وهم أنفسهم يطالبون بواقعية غريبة واعتبار أن 500 درهم للأرامل والفقراء… فتح عظيم!

وبعض هؤلاء الذين اكتشفوا سحر الواقعية الخفي، وباتوا يحاولون إقناع عشرات ملايين المغاربة، الذين يجأرون بالشكوى، بالمقاربات الواقعية، لا صلة لبعضهم بالواقع منذ أن قطعوا صلاتهم بأحيائهم القديمة!

وأصبحت لهم مساكن من رخام وآخر علاقتهم بالأحياء الشعبية صور قديمة يخفونها عن زوارهم…

هؤلاء الواقعيون الجدد، عادة ما يرون في الواقعية مبررا للهجوم على الأيديولوجيا، ناسين أن الأيديولوجيا ما هي إلا تزييف الواقع لا غير ، كما يفعلون تماما!

هؤلاء، في غالبهم، يقولون إن الذين يتطلعون إلى واقع جديد غير واقعيين….

أسأل دوما متى وأين التقوا بالواقع؟

من مفارقاتهم أن الواقع الذين يطالبوننا به وبالاحتكام إليه هو .. محض بناء واقعي، في غالبه مزيف، كالإيديولوجيا عندهم.