الوطن ليس قاعة عبور.. ولا صالة انتظار تعبرها الأرواح على عجل.. وليس مشروعًا للاستثمار ولا طريقًا سيارًا نحو الثروة.. الوطن هو الأرض حين تنطق بأسماء أبنائها.. وهو الإنسان حين يكتشف أن جذوره أعمق من كل المنافي.. وهو الانتماء الذي لا يُقاس بالأرباح والخسائر.. قد نبيع أرضًا.. أو منزلًا.. أو عمارة.. لكننا إذا بعنا الوطن فلن يبقى فينا شيء يستحق أن يُسمى وطنًا.
ليست هذه مقدمة تستعرض زينة اللغة.. إنها محاولة لفهم ما يحدث قبل أن نحاكمه.. ولطرح الأسئلة قبل أن نوزع الأحكام.. ففي صيف يشتعل بحرارته.. بدا المشهد السياسي أكثر برودة من حجر المقابر.. وكأن الحياة تدب في كل شيء إلا في الضمير العام.
لن أقول إننا في هذا الصيف أضعنا اللبن.. لأن الضياع لم يعد ابن فصل بعينه.. بل صار موسمًا يتكرر حتى ألفناه.. حتى أصبحنا نتعامل مع الخسارات كما يتعامل المسافر مع محطات القطار.. يمر بها دون أن يلتفت إليها.
هذا الصيف أيقظتنا هجرة لم تكن جديدة ولا مفاجئة.. الجديد فيها أنها رفعت الغطاء عن جرح قديم كنا نغطيه بالكلمات.. لم تعد الهجرة مجرد قوارب تشق البحر.. بل رسائل كتبها اليأس بماء الملح.. تحمل إلى العالم حقيقة أن بعض الأوطان لم تعد تتسع لأحلام أبنائها.
بدل أن نحمل مسؤوليتنا.. حملنا السياط.. جلدنا بها الوطن.. والشعب.. والدولة.. بينما لم يملك أحد شجاعة الوقوف أمام مرآته ليقول: ربما كنت أنا أيضًا جزءًا من هذا الخراب.. فالمرآة تؤلم.. ولهذا نهرب منها.
لماذا لا نستقيل جميعًا.. حكومةً.. وبرلمانًا.. وأحزابًا.. إذا كنا فعلًا جزءًا من المشكلة؟.. لماذا نتقن توزيع الاتهامات أكثر مما نتقن توزيع المسؤوليات؟
للدولة ضروراتها.. لكن لنا نحن أيضًا مسؤولية.. أن نفتح نافذة يدخل منها بعض الهواء إلى هذا الوطن.. بدل أن نغلقها ثم نتساءل لماذا يختنق.. فالوطن ليس صخرة صماء.. بل كائن حي يتعب وينزف.
ألسنا نحن من قتل الأمل في قلب جيل كامل؟.. الأسبوع الماضي كتبت مقالًا بعنوان “اعترافات سياسي فاشل”.. واليوم أكتب “بوحٌ في زمن النفاق”.. لأن الاعتراف أول خطوة نحو النجاة.. أما النفاق فهو أن نستمر في تزيين الجدران بينما البيت يحترق.
أين الأحزاب؟.. أليست مدارس للتأطير وصناعة الوعي؟.. أم تحولت إلى مشاتل للتوريث؟.. هل تبحث عن الكفاءة أم عن الولاء؟.. عن الفكر أم عن الرصيد البنكي؟
وأين الشباب الذي نلعنه اليوم لأنه اختار البحر؟.. ذاك الذي رأى في الموج احتمالًا للحياة.. وفي اليابسة موتًا مؤجلًا.. حتى صار البحر.. على قسوته.. أكثر رحمة من اليابسة.
وأين النقابات؟.. وأين الجامعات التي تحولت فيها المعرفة من رسالة إلى فاتورة؟.. وأين حكومة الكفاءات التي أغلقت أبواب الأمل في وجه الشباب.. وجعلت الثلاثين سقفًا لأحلام كثيرين؟.. فبعض القرارات لا تطلق الرصاص.. لكنها تترك الأحلام تنزف حتى تموت بصمت.
الهجرة ليست غاية.. بل نتيجة.. فلا أحد يقتلع جذوره بإرادته.. لكن حين تفشل السياسات العمومية.. ويتحول تضارب المصالح إلى قاعدة.. يتحول الأمل إلى ألم.. والوطن في عيون أبنائه إلى مكان يضيق بهم شيئًا فشيئًا.
لسنا أمام حفلة لجلد الذات.. ولا أمام تصفية حسابات.. نحن أمام لحظة تفرض علينا الاعتراف بفشلنا كفاعلين سياسيين.. وأن نمتلك شجاعة إعلان إفلاسنا الأخلاقي والسياسي.. لأن أخطر أنواع الإفلاس هو ذاك الذي يرفض أصحابه الاعتراف به.
علينا أن نُصفّي أحزابنا ممن أضاعوا على الدولة والوطن سنوات من هدر المال العام.. وتبديد الثقة.. وتحويل السياسة إلى سوق موسمية تُفتح كل خمس سنوات تحت لافتة التزكيات.
من كان منا بلا خطيئة.. فليرمِ الوطن بالحجارة.. أما نحن.. فألسنا جميعًا مسؤولين؟.. أليس بيننا من يترشح عشقًا للكرسي لا عشقًا للوطن؟.. من يرى المنصب سلّمًا لمصالحه لا جسرًا يعبر به الناس إلى غدٍ أفضل؟
ألم تأتِ الدولة بقوانين لتخليق الحياة السياسية؟.. ومع ذلك التف بعضنا عليها.. لأن المرشح عند كثيرين آلة انتخابية لا قيمة فكرية لها.. ورصيد بنكي لا رصيد نضالي.. ثم نحمل السياط ونجلد الوطن.. وكأن الانتخابات أهم من استقراره.
الصحافي الذي يطبل للأشخاص بدل الوطن.. والطبيب الذي يتاجر بآلام المرضى.. والمحامي الذي يتحول إلى سمسار.. والأستاذ الذي يجعل التعليم سلعة.. كلهم يضيفون حجرًا إلى جدار هذا الخراب.. أما المواطن.. حين يبيع صوته كل خمس سنوات.. فإنه يبيع معه طريقًا.. ومستشفى.. ومدرسة.. لأنه يمنح السلطة لمن لا يخشى محاسبة.
ما وقع الأسبوع الماضي.. أعاد إلينا الأسئلة التي دفناها طويلًا.. إلى أين نحن ذاهبون؟.. ومن المسؤول؟.. لكننا.. بدل أن نفتش عن مفاتيح الأزمة.. تحولنا إلى جلادين.. جلدنا الشباب.. والدولة.. ولعنّا الوطن.. مع أن الوطن كان دائمًا الضحية الأولى.
لقد جاء سؤال الهجرة في لحظة مفصلية ونحن على أبواب استحقاقات تشريعية جديدة.. فهل تمتلك الأحزاب شجاعة مراجعة نفسها.. وفتح أبوابها للكفاءة.. ومعالجة أعطابها بدل الاكتفاء ببيانات فقدت بريقها؟.. فالأوطان لا تُرمم بالبلاغات.. وإنما تُبنى بالفعل.
وهل يملك المواطن الجرأة ليعلن القطيعة مع الورقة الزرقاء.. قبل أن يلعن الظروف؟.. وهل نستطيع نحن.. كنخب سياسية.. أن نفسح الطريق أمام وجوه نظيفة تحمل مشروعًا للوطن لا مشروعًا على الوطن؟
قد أبدو في نظر البعض سياسيًا فشل في حسابات السياسة.. لكنني ما زلت أؤمن بأن الوطن ليس رصيدًا في البنك.. بل نبضًا في القلب.. وذاكرةً تُقاس بالانتماء.. وحضنًا لا ينبغي أن يتحول إلى محطة عبور ولا إلى غرفة انتظار.
وحين نُنظف أحزابنا.. ونغيّر نخبنا.. ونربط المسؤولية بالمحاسبة فعلًا لا شعارًا.. سيصبح الوطن مكانًا يستحق أن نبقى فيه لا أن نهرب منه.. وساعتها ستعود الحياة إلى هذا التراب الذي تعب من حمل أخطائنا.. وما زال.. رغم كل شيء.. يفتح ذراعيه لنا كل صباح.
فبدل أن نلعن الوطن.. كفّوا أيديكم عنه فقط.. فهو.. رغم كل ما أثقلناه به.. ما زال يقف مثل شجرة زيتون عتيقة.. تنحني للعواصف.. لكنها لا تنكسر.






