قضايا

منتهى الأنانية..

بنسعيد الركيبي
هناك نوع من الهجرة يثير التعاطف، وهناك نوع آخر يطرح أسئلة أخلاقية لا يجوز تجاهلها أو الهروب منها. فحين يفر شاب من حرب أو مجاعة أو اضطهاد، يفهم العالم دوافعه. أما حين ينفق مجتمع بأكمله على تكوين طبيب أو مهندس أو باحث أو أستاذ، منذ المدرسة الابتدائية إلى الجامعة، ثم يقرر هذا الأخير أن يحمل شهادته ويرحل عند أول فرصة، دون أن يرد للمجتمع جزءا مما استثمره فيه، فإن السؤال يصبح مختلفا. لقد دفعت الدولة من المال العام، ودفع دافعو الضرائب ودفع الفقراء أيضا من جوعهم ثمن تكوين هذه الكفاءات.

فكل مستشفى حكومي، وكل كلية للطب أو الهندسة، وكل مختبر للبحث العلمي قد تم بناؤه وتجهيزه وتأطيره بأموال ملايين المغاربة الذين قد لا تطأ أقدام أبنائهم أبواب الجامعة أصلا. وبعد التخرج، يعتبر صاحب الشهادة نفسه مدينا لنفسه فقط، فيبدأ رحلة البحث عن التأشيرة، وعن عقد العمل وعن الجنسية الجديدة، وكأن الوطن لم يكن سوى محطة مجانية للحصول على المؤهل العلمي.

نعم من حق أي إنسان أن يبحث عن حياة أفضل، لكن من حق المجتمع أيضا أن يسأل: أين نصيب الوطن من كل ما أنفق عليك؟ أين رد الجميل؟ أين الحد الأدنى من الوفاء؟ و المؤلم حقا أن بعض هؤلاء لا يكتفون بالهجرة، وإنما يتحولون إلى أشد المنتقدين لوطنهم، ويتحدثون عنه بازدراء، وينسون أن الشهادة التي فتحت لهم أبواب العالم خرجت من جامعاته، وأن أولى خطواتهم العلمية كانت فوق مقاعد مولها شعبهم. 

والمفارقة أن الدول التي تستقبل هذه الكفاءات تدرك قيمتها الاقتصادية أكثر مما يدركها أصحابها. فهي تحصل على طبيب جاهز و مهندس جاهز و باحث جاهز، دون أن تنفق درهما واحدا على مساره التعليمي، ولا على سنوات تكوينه الطويلة.

إنه استيراد مجاني للرأسمال البشري، بينما تتحمل الدولة الأصلية فاتورة التربية والتكوين. فلا يتعلق الأمر بالدعوة إلى منع الهجرة، ولا بمصادرة حرية الأفراد فحرية التنقل حق لا جدال فيه. لكن الحرية لا تلغي المسؤولية، والنجاح الفردي لا ينبغي أن يقوم على إنكار الدين المعنوي للمجتمع. فالأمم القوية لا تبنى بالقوانين فقط وإنما أيضا بثقافة الوفاء. ومنتهى الأنانية أن يعتبر الإنسان أن وطنه مجرد ممول لدراسته، ثم يتركه ساعة يبدأ وقت العطاء، وكأن كل ما أخذه كان حقا خالصا له، وكل ما يمكن أن يقدمه لبلده أصبح تفضلا منه لا واجبا أخلاقيا.

ليس من العدل أن يتحمل الفقير المغربي فاتورة تكوين طبيب لن يعالجه، أو مهندس لن يبني بيته، أو باحث ستجني ثمار علمه مختبرات أجنبية. فالوطن ليس فندقا نغادره بعد أن نستفيد من خدماته، وليس صندوقا للاستثمار في الأفراد دون أن ينتظر منهم عائدا. وكل حديث عن الحقوق يظل ناقصا إذا لم يرافقه حديث عن الواجبات.