سياسة واقتصاد

الدهاء السياسي وفن الرد.. وهبي أنموذجا

سفيان خلي هنا

عبد اللطيف وهبي ليس مجرد وزير عدل، هو ظاهرة في التواصل السياسي المغربي. يمكن أن تختلف معه "إيديولوجيا" لكن لا يمكن أن تنكر أنه أستاذ في فن قلب الطاولة.


ما فعله اليوم في مجلس النواب هو ملخص لمدرسته:


1. تحويل سؤال الإدانة إلى سؤال ضمانات


البرلمانيون حاصروه: "أين قانون الإثراء غير المشروع؟ لماذا تتأخرون في محاربة الفساد؟"


أي وزير آخر كان سيعتذر أو يبرر. وهبي فعل العكس: حول نفسه من متهم إلى أستاذ قانون.


قال لهم: "أنا معكم، سأجلب القانون بداية السنة المقبلة، ولكن أنتم من يجب أن يأتيني بضمانات المحاكمة العادلة"


بجملة واحدة، نقل الكرة لملعب المعارضة. أصبح هو المدافع عن الفساد؟ لا، أصبح هو المدافع عن قرينة البراءة والدستور، والبعض أصبح من دعاة الشعبوية والمحاكمات السريعة. هذا هو الدهاء.


2. خلق معركة جانبية للهروب من المعركة الرئيسية


عندما وجد أن النقاش سيصبح تقنيا ومحرجا حول "لماذا لم تخرجوا القانون منذ 2021؟"، خلق معركة أخلاقية.


حيكر قال له "خطابك بئيس". وهبي لم يرد على المضمون، بل تمسك بالكلمة وهدد بالانسحاب. فجأة تحول النقاش من "أين قانون الإثراء؟" إلى "هل يجوز وصف الوزير بالبئيس؟". والصحافة كلها كتبت عن واقعة "البئيس" ونسيت السؤال الأصلي.


هذه تقنية قديمة في علم المناظرة تسمى Red Herring - سمكة حمراء - ترميها للجمهور لينسى الموضوع.


3. لغة الشارع في جسد الفقيه


وهبي يتكلم بلهجة لا تشبه وزراء العدل في العالم. لا يقول "المقتضيات الدستورية"، يقول: "اللي سرق في الزنقة بحال اللي سرق في الدولة، المجرم مجرم". 


هذه اللغة تصل للعامة وتجعله يبدو "ولد الشعب" رغم أنه محام وزير . بينما بعض خصومه يتحدثون بلغة خشبية، هو يقول "لا أريد أن أظلم أحدا".


4. فكرة المدونة المستقلة: الهروب إلى الأمام


بدل أن يعدل فصلين في القانون الجنائي، وهذا ما كان ينتظره الناس، اقترح "مدونة مستقلة لمحاربة الفساد". 


هذا ذكاء بيروقراطي: 

- يكسب الوقت: المدونة تحتاج سنوات من الإعداد

- يكبر المشروع: يصبح إنجازا تاريخيا باسمه

- يتفادى المقارنة: لا أحد سيحاسبه على مادة معينة، بل على ورش كبير


الخلاصة: وهبي لا يجيب على السؤال، بل يغير السؤال نفسه. لا يدافع، بل يهاجم بأخلاقيات المهنة. لا يبرر التأخير، بل يجعلك تشعر أن التأخير هو الضمانة لحقوقك.


قد تحبه أو تكرهه، لكن داخل قبة البرلمان، هو واحد من القلائل الذين لا يقرؤون من ورقة، ويستطيع أن يحول جلسة مساءلة إلى حصة في فنون الرد.