أعجبتني تدوينة قصيرة للدكتور أكرم بليادي، التي أثار فيها مسألة تستحق أكثر من مجرد تعليق عابر، واستفزتني للتوسع في بعض أفكارها انطلاقاً من تجربتي الطويلة في مجال التدريس داخل المغرب وخارجه.
يقول الدكتور، في معرض حديثه عن سلوك التلميذ الحالي: "إذا لقى أستاذ مزير يرقد، وإذا لقى أستاذ راخف يهدر ويتحرك". وهي ملاحظة تختزل، إلى حد بعيد، مفارقة يعيشها كثير من المدرسين داخل الفصول الدراسية. فالأستاذ الصارم الذي يفرض الانضباط ويحدّ من الثرثرة والحركة العشوائية قد يجد أمامه تلاميذ ينسحبون إلى الصمت السلبي والشرود، وربما النوم، بينما يجد الأستاذ المتساهل نفسه أمام قسم يتحول فيه الدرس إلى فضاء للحديث الجانبي والتنقل والتشويش.
ويربط الدكتور هذه الظاهرة بتأثير الشاشات ومقاطع الفيديو القصيرة والألعاب الإلكترونية، مثل Reels وeFootball، التي عوّدت الناشئة على الإيقاع السريع والمكافآت الفورية والمتعة المتجددة باستمرار. فالتلميذ الذي يقضي ساعات في التنقل بين مقاطع لا تتجاوز بضع ثوانٍ، أو في ممارسة ألعاب تمنحه مكافآت وانتصارات متلاحقة، قد يجد صعوبة في التأقلم مع طبيعة التعلم التي تتطلب الصبر والتركيز والتدرج وبذل مجهود ذهني متواصل. فالدرس ليس مقطع فيديو قصيراً، والمعرفة ليست مكافأة فورية تظهر على الشاشة بمجرد الضغط على زر.
لكنني أعتقد أن المسألة أعمق من مجرد ضعف التركيز أو الإفراط في استعمال الهاتف. فطلب العلم، بطبيعته، كما ورد في أحد التعليقات، يحتاج إلى مجهود نفسي وذهني وجسدي، وإلى قدر من الصبر والانضباط وتأجيل المتعة الآنية من أجل تحقيق غاية أبعد. والإنسان، بطبعه، يميل أحياناً إلى البحث عن أقصر الطرق وأيسرها، وقد يجد في الأعذار وسيلة لتبرير العزوف عما يتطلبه التعلم من جهد ومثابرة؛ لأن "اللي بغا العسل خصّو يصبر لقريص النحل". فلا يمكن أن نطلب نتائج كبيرة دون استعداد لتحمل مشقة الطريق إليها.
ومن هنا تبرز ظاهرة أخرى لا تقل أهمية، وهي ما أصبح بعض المختصين في التربية يسمونه "التلميذ الديكتاتور" (L"élève-dictateur)، وهو التلميذ الذي يريد أن تسير الأمور وفق مزاجه، وأن يكون محور اهتمام القسم، وأن تُراعى رغباته باستمرار، دون أن يشعر بالضرورة بأن عليه واجبات والتزامات في مقابل حقوقه. يريد درساً ممتعاً، وأستاذاً متفهماً، وحرية واسعة، لكنه قد لا يكون مستعداً لبذل الحد الأدنى من الجهد أو احترام حق الآخرين في التعلم.
ولا أقول هذا من باب التعميم أو التنكر للمشكلات التي يعاني منها المتعلمون، بل انطلاقاً من تجربة مهنية امتدت قرابة أربعة عقود. فقد كنت، على مدى سنوات طويلة، أوظف التكنولوجيا في تدريس اللغة الإنجليزية، وأعدّ دروسي إلكترونياً، وأستخدم الألعاب والأغاني والنكات والأنشطة التفاعلية، وأحرص على تنويع طرائق التدريس، حتى إنني نادراً ما كنت أجلس على الكرسي، تفادياً لتحويل القسم إلى فضاء للرتابة والملل. ومع ذلك، ظللت ألاحظ أن بعض التلاميذ لا يعجبهم العجب؛ فما إن تتاح لهم أدنى فرصة حتى ينشغلوا بالحديث مع زملائهم أو التشويش على الآخرين، لا لسبب سوى عدم استعدادهم للانخراط في الدرس. وإذا شددت عليهم وألزمتهم بالانضباط، اختار بعضهم النوم أو الشرود، بل إن طلب الإذن بالذهاب إلى المرحاض يصبح أحياناً وسيلة للتهرب من متابعة الحصة!
وهذا يؤكد أن المشكلة لا تختزل في أسلوب الأستاذ، ولا في طبيعة الدرس، ولا حتى في الوسائل التعليمية المستعملة. فهناك تلميذ قد لا يستجيب مهما نوّع المدرس أنشطته، وهناك من لا يقدّر قيمة ما يُبذل من جهد لمساعدته على التعلم. وهنا لا بد من إعادة الاعتبار إلى مفهوم المسؤولية والانضباط، وإلى حقيقة بسيطة مفادها أن المتعة وحدها لا تصنع متعلماً، وأن المدرسة ليست فضاءً للترفيه فحسب، بل مؤسسة للتكوين وبناء الشخصية واكتساب المعارف والمهارات.
ومع ذلك، سيكون من الظلم أن نحمل التلميذ وحده مسؤولية هذا الوضع. فالمسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع. ولا يمكن أن ننتظر من المدرسة أن تصلح وحدها ما تفسده بعض الممارسات داخل البيوت، أو أن نطالب المدرس بأن يؤدي أدوار الأسرة والمربي والموجه والمراقب في الوقت نفسه، وهو مثقل أصلاً بالمقررات والبرامج والمهام الإدارية.
ومن هذا المنطلق، أوجه نصيحة إلى الآباء والأمهات: ضعوا ضوابط واضحة لاستعمال أبنائكم للهواتف الذكية، وراقبوا المدة التي يقضونها أمام شاشاتها، ولا تسمحوا لهم باصطحابها إلى المدرسة إلا للضرورة القصوى، حيث يفترض أن يكون وقتهم مخصصاً للتعلم والتفاعل مع المدرس وزملائهم، لا لمتابعة الإشعارات والانشغال بالعالم الافتراضي.
والمقصود ليس شيطنة الهاتف والتكنولوجيا أو الدعوة إلى حرمان الأبناء منهما، فقد أصبحا جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، ويمكن أن يشكّلا أداة فعالة للتعلم والإبداع والتواصل. لكن الفرق كبير بين أن نستخدم التكنولوجيا وأن نتركها تستخدمنا، وبين أن يكون الهاتف وسيلة في يد الطفل وأن يصبح الطفل أسيراً له. والمطلوب هو تأطير استعماله، وتحديد أوقاته، وتعويد الأبناء على إدراك أن لكل شيء وقته ومكانه.
ومن واجب الآباء أيضاً أن يرسخوا في نفوس أبنائهم قيمة الاجتهاد، وأن يفهموهم أن التعلم لا يتحقق بالتمني، بل يتطلب صبراً ومثابرة وبذل الجهد.
وَمَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً تَجَرَّعَ ذُلَّ الْجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ
وَمَنْ فَاتَهُ التَّعْلِيمُ وَقْتَ شَبَابِهِ فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا لِوَفَاتِهِ
والأهم من ذلك ألا يسارع الأباء إلى تبرير كل سلوك غير منضبط يصدر عن أبنائهم، أو إلى التقليل من شأن المدرس أمامهم، لأنهم بذلك يهدمون ما تحاول المدرسة بناءه، ويضعفون مكانة الأستاذ في أعين المتعلمين. فليس من الإنصاف أن نطالب المدرس بتربية أبنائنا وتعليمهم، ثم نسحب من تحت قدميه سلطة التوجيه والتأطير. علينا أن نعلم أبناءنا احترام المدرس، والإنصات إليه، وتقبّل ملاحظاته، وإدراك أن تصحيح أخطائهم ليس انتقاصاً منهم، بل جزء من مسؤولية من يتولى تعليمهم.
كما ينبغي أن نعيد أبناءنا إلى القراءة المنتظمة، ولا سيما القراءة الورقية، وأن نشجعهم على ممارسة الأنشطة التي تتطلب الصبر والتكرار والتركيز. فهذه الممارسات، إلى جانب غيرها من الأنشطة الذهنية، تساعد على بناء عادات التعلم والانضباط، وتمنح الطفل فرصة لاكتشاف متعة الإنجاز التي لا تأتي بالضرورة في ثوانٍ معدودة.
إننا أمام تحدٍّ تربوي حقيقي، ولا ينبغي أن نواجهه بالتشكي وحده أو بتبادل الاتهامات بين الأسرة والمدرسة. فالتلميذ يحتاج إلى التفهم، نعم، لكنه يحتاج أيضاً إلى حدود واضحة؛ ويحتاج إلى أستاذ يشجعه، لكنه يحتاج كذلك إلى أستاذ يطالبه بالاجتهاد ويحاسبه على التقصير. فالصرامة ليست عنفاً، والتساهل ليس تربية، والتدليل المفرط ليس حباً.
وفي نهاية المطاف، علينا أن نتذكر أن التربية ليست سباقاً لإرضاء الطفل، وأن إعداد جيل قادر على التفكير والعمل وتحمل المسؤولية لا يتحقق بتوفير المتعة الدائمة له، بل بتعليمه كيف يصبر حين لا يجد المتعة، وكيف يجتهد حين لا تكون النتائج فورية، وكيف يحترم حقوق الآخرين حتى عندما لا تتوافق رغباتهم مع رغباته.
فليس كل ما يطلبه الأبناء يصلح لهم، وليس كل ما يرضيهم ينفعهم. ومن يزرع في أبنائه ثقافة الهروب من المشقة، لا ينبغي أن يستغرب حين يحصد جيلاً لا يصبر على مشقة التعلم.






