مجتمع وحوداث

الحاج بوعياد… المسيرة الخضراء وفلسطين

كفى بريس

في ذكرى المسيرة الخضراء، أستعيد صورة الحاج محمد بوعياد. يقف مبتسما، يرفع شارة النصر، ويرتدي كساء بألوان العلم الفلسطيني. وحين ندقق النظر في صدره، نرى ميدالية مشاركته في المسيرة الخضراء، إلى جانب أوسمة استحقاق أخرى.

على صدر رجل واحد، اجتمعت حكاية الوطن وحكاية فلسطين، وبقي بينهما متسع لابتسامة.

لم يكن الحاج بوعياد يرتب رموزه لالتقاط صورة، ولا يصوغ موقفا للاستهلاك في مناسبة. هكذا عرفته وزان: رجل تعليم وهب حياته لتربية الأجيال وللقضايا التي آمن بها، وفي مقدمتها الصحراء المغربية وفلسطين. تمر المناسبات وتتغير الوجوه، وهو حاضر ببدلته وأعلامه، والأطفال والمواطنون من حوله. كأن للرجل موعدا دائما مع ما يستحق أن يخرج من أجله.

وفي السادس من نونبر، تستحق ميداليته أن نتوقف عندها. فهي أثر مشاركة في مسيرة، وذكرى خطوات قطعها تلبية لنداء الوطن. حملها باعتزاز، مثلما حمل فلسطين على كسائه. لم ير أن وفاءه للمسيرة يقتضي أن ينزع عنه علم فلسطين، ولا خطر له أن نصرتها تستدعي أن يخفي ميداليته. لقد استقر الأمران في نفسه قبل أن يصيرا موضوعا لهذه السفسطة التي نسمعها اليوم.

وكان في تعلق الأطفال به شيء من امتداد مهنته الأولى. فما يلقنهم إياه داخل الفصل يواصل تعليمه في الشارع، بحضوره وسلوكه. يرون فيه رجلا يحب المغرب، ويعتز برايته ووحدته، ويحزن لفلسطين ويجهر بنصرتها. يتعلمون منه أن للإنسان جذورا تشده إلى أرضه، وقلبا يصله بما وراءها، وأنه يستطيع أن يكون ثابت القدم في وطنه، مفتوح الوجدان على آلام العالم.

ومن فرط وفائه، أقام لفلسطين بيتا في وزان، صار لاحقا مسجدا. لم يكتف بأن يظل اسمها بعيدا، يأتي مع نشرات الأخبار ثم يغيب؛ جعل لها مكانا بين بيوت المدينة، يقصده الناس، وتنتقل فيه القضية من خبر يسمع إلى ذاكرة تتقاسم. ولعل في ذلك شيئا من طبع المعلم: يأبى أن يترك ما يؤمن به حبيس نفسه، فيبحث له عن سبيل إلى نفوس الآخرين.

ما الذي كان سيقوله الحاج بوعياد لو طلب منه أحد أن يختار ؟ حتما كان سيستغرب السؤال قبل أن يجيب. فمن أين جاء هذا التناقض؟ ومن يحاول أن يزرعه؟ وأي جزء من حبه لوطنه كان يتعين عليه أن يتخلى عنه كي يتألم لفلسطين؟ وأي وفاء لفلسطين كان يمنعه من الاعتزاز بمشاركته في المسيرة؟

في سيرته جواب عن الخلط بين ترتيب الواجبات والتنازع بين المحبات. للوطن حقوق على أبنائه، وللمواطنين مطالب على دولتهم، وللمسؤوليات أولوياتها. لكن الانشغال بقضية لا يمحو سائر القضايا، ولا تتعطل واجبات القرب كلما اتسعت دائرة التضامن. عاش بوعياد معلما بين أبناء مدينته، حاضرا في قضايا بلاده، وفيا لفلسطين. لم يحتج إلى بتر شيء من وجدانه حتى يستقيم له انتماؤه.

وهذا الذي عاشه الرجل في وزان عرفه المغاربة، ملكا وفاعلين وشعبا، ولا يزالون يعيشونه: الوطن وفلسطين. تتعدد الاجتهادات في السياسة، ويختلف الناس في الوسائل والمواقف، لكن الدفاع عن الوحدة الترابية والتضامن مع الشعب الفلسطيني ظلا يجتمعان في وجدانهم. لم يبدأ هذا الاجتماع مع سجال عابر، حتى ينتهي بأمر من أصحابه.

رحل الحاج بوعياد، وبقيت صورته: فلسطين على الكساء، والمسيرة على الصدر. صورة لا تحتاج إلى كثير شرح، وإن احتاج بعض الجدل الدائر بيننا إلى كثير مراجعة.

أما الذين اكتشفوا أن علينا الاختيار بين تازة وغزة، فقد تأخروا قليلا عن درس المعلم الوزاني. عاش الرجل عمره يجمع بين الوطن وفلسطين، ثم جاء من يريد أن يقنعنا بأن قلبه كان يرتكب خطأ في الجغرافيا!

وبين ما يقال وما لا يقال… رحم الله الحاج بوعياد؛ لم يكن يعلم أن اتساع القلب يحتاج، عند البعض، إلى ترخيص.