الحمد لله أن لنا ملكا في البلاد.
ليست جملة للمجاملة، ولا عبارة للمناسبات. هي جملة تقال حين تنظر إلى الدول من حولك، وترى كيف تعيش من دون استقرار.
لنا ملك يجمع، حين تفرق الأحزاب. ولنا ملك يضمن الاستمرارية، حين تتغير الحكومات. ولنا ملك يحمي الوحدة، حين تكبر الأزمات.
الحكوكة تذهب وتأتي. والبرلمان يتغير. والوزراء يتبدلون. ولكن الدولة تبقى واقفة، لأن فيها ضامنا فوق الحسابات الضيقة.
هذا هو المعنى الحقيقي للملكية في المغرب. ليس أن الملك يفعل كل شيء، بل أن الملك يمنع البلاد من السقوط حين يخطئ الذين يفعلون كل شيء.
والملكية المغربية ليست وليدة الاستعمار، بل ضاربة في تاريخ المغرب منذ أكثر من اثني عشر قرنا، من الأدارسة إلى العلويين. المغاربة لم يستوردوها، بل بايعوها. والبيعة عقد بين الملك والشعب، وليست تعيينا من فوق.
ثم إن الملك هو أمير المؤمنين. وهذا ليس لقبا شكليا. هو ما يحمي الدين من التطرف، ويحمي المذهب المالكي، ويمنع أي حزب من أن يحتكر الدين ويستعمله في السياسة. في بلادنا، الدين للجميع، ولا أحد يملك حق التحدث باسم الله.
وفي القضية الوطنية الأولى، كان الملك هو من قاد ملف الصحراء. هو من حسم الاعتراف الأمريكي والفرنسي والإسباني بمغربية الصحراء. هذا الملف وحده يشرح لماذا يثق المغاربة في الملك أكثر من أي مسؤول آخر. لأن الملك لم يتاجر بالصحراء، بل دافع عنها حتى النهاية.
والملك، في كل خطاب، يعود إلى الفكرة نفسها: المسؤولية مقرونة بالمحاسبة. أي أن من تولى منصبا، تحمل مسؤوليته. ومن خدم الشعب، حوسب أمام الشعب.
والملك نفسه لا يقول إن كل شيء بخير. بل هو أول من يقول إن الإدارة بطيئة، وإن الإصلاح متعثر، وإن المواطن يستحق أفضل مما يجده. فمن يريد أن يكون وفيا للملك، لا يردد أن كل شيء بخير، بل يعمل لكي يصبح كل شيء بخير.
الملك لا يمنح أحدا حصانة من النقد. بل على العكس، الملك يمنح المواطن حق النقد. من حق المواطن أن يسأل الوزير: ماذا فعلت؟ وأين ذهبت الأموال؟ ولماذا هذا القرار؟
وهذا السؤال ليس ضد الملك. هذا السؤال هو ما يجعل الملكية قوية. فالملكية القوية ليست التي تخفي أخطاء الوزراء، بل التي تجعل الوزراء يخافون أن يخطئوا، لأنهم يعلمون أن الشعب سيحاسبهم.
والشعب المغربي يحب الملك، لأنه يرى فيه ضامنه. حين تغلق في وجهه الأبواب، يبقى باب الملك مفتوحا. وحين يظلمه مسؤول، يبقى ينتظر الإنصاف من الملك.
يبقى التحدي الأكبر: الشباب. الشباب المغربي لا يريد شعارات، يريد شغلا وسكنا وكرامة. وإذا لم تصل إليه ثمار الاستقراز، سيتحول الاستقرار نفسه إلى سؤال. لذلك، لا قيمة للاستقرار إذا لم يتحول إلى فرصة للشاب في القرية كما في المدينة.
ويبقى الاستقرار ناقصا، إذا لم يصل إلى المرأة التي تنتظر إنصافها في مدونة الأسرة، وإلى الأمازيغي الذي يريد أن يرى لغته حية في المدرسة والإدارة، وإلى المغربي في الخارج الذي يريد أن يشعر أنه جزء من الوطن لا ضيف عليه. ويبقى الاستقرار ناقصا أيضا، إذا بقي المواطن يشعر أن المحاسبة تطبق على الصغير وتتوقف عند الكبير.
إن تركنا الوزراء يعملون ويحاسبون، قويت الملكية. وإن تركنا الوزراء يختبئون خلف الملك، ضعفت الملكية من دون أن يشعروا.
إذن، الحمد لله أن لنا ملكا في البلاد، لكي تبقى البلاد واقفة. والحمد لله أن لنا شعبا في البلاد، لكي تبقى البلاد حية. والحمد لله أن لنا دستورا في البلاد، لكي يبقى الوزير وزيرا، والملك ملكا، والمواطن مواطنا.
كل واحد في مكانه، والبلاد ماضية إلى الأمام..






