سياسة واقتصاد

القصة المغيبة لقضية الصحراء: من نزاع حول السيادة إلى نزاع حول تقرير المصير

سمير بنيس

ونحن نحتفل بالذكرى الواحدة والخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة وحيث بدأ يكثر الحديث عن ضرورة توجه المغرب للجمعية العامة من أجل سحب ملف الصحراء من قائمة الاقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وجب الاشارة إلى بعض التوضيحات بخصوص السياق السياسي والدبلوماسي الذي تم خلاله وضع هذا الاقليم في تلك القائمة.


من ضغوط المغرب على إسبانيا إلى القرار 2072: كيف أصبح إدراج الصحراء مكسباً دبلوماسياً؟


مما لا شك فيه أن المغرب ليس هو من بادر إلى وضع هذا الاقليم ولا إقليم سيدي إفني في تلك القائمة. بل أنه وخلال النقاشات التي دارت بخصوص الاستعمار الاسباني للأراضي المغربية منذ شهر أكتوبر عام 1957 حرص المغرب على التأكيد على أن هذين الاقليمين، على غرار سبتة ومليلية، يعتبران إقليميين مغربيين خاضعان للاحتلال الاسباني. وهو ما دفعه إلى التعبير عن تحفظه في العديد من المناسبات خلال المناقشات التي دارت داخل اللجنة الرابعة عن إدراج الاقاليم الخاضعة آنذاك للاستعمار في قائمة الاقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.


وكانت أولى تلك المناسبات هي خلال الاجتماع الذي عقدته الجمعية العامة في شهر أكتوبر 1957، حيث عبر المغرب عن تحفظه على ذلك. وأعاد المغرب التأكيد على هذه الموقف في العديد من المناسبات في السنوات الموالية، بما في ذلك خلال الاجتماع الذي عقدته اللجنة الرابعة بتاريخ 11 نونبر 1961، والذي قامت خلاله باعتماد مشروع قرار يتضمن تلك الاقاليم ودعا إسبانيا إلى تقديم تلك القائمة بشكل رسمي. وفي الوقت الذي ضم المغرب صوته لصوت الدول الاعضاء التي اعتمدت ذلك القرار، عبر عن تحفظه من إدراج من الصحراء وسيدي إفني وسبتة ومليلية ضمن تلك اللائحة مؤكدا أن أراضي مغربية وأن إدراجها في تلك القرار لا يعني اعتراف اللجنة الرابعة بأن تلك الاقاليم كانت إسبانية.


ويظهر من خلال قراءة وتحليل أرشيف الامم المتحدة، وهو ما قمت به حينما بدأت كتابي حول الصحراء بالإنجليزية والعربية، أن المغرب ليس هو من أدرج الصحراء في قائمة الاراضي غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بل أن هذا الادراج كان نتيجة للضغوطات الدبلوماسية التي مارسها المغرب وحلفائه على إسبانيا لحملها على الدخول في مفاوضات معه من أجل التوصل لتفاهمات ثنائية بين الطرفين.


ومن جهة أخرى، فإن القول كما يقول البعض بأن المغرب لم يذهب قط للجنة الرابعة غير دقيق وينطوي عن فهم غير كامل لعمل الأمم المتحدة. صحيح أن المغرب لم يذهب إلى اللجنة الرابعة بمحض إرادته ولم يمل على الدول الاعضاء ضرورة الحديث عن الصحراء داخل تلك اللجنة. ولكن بما أن اللجنة الرابعة هي التي خصصتها الامم المتحدة منذ إنشاءها عام 1945 لدراسة النزاعات المتعلقة بالأقاليم الخاضعة للاستعمار الاوروبي، فكان من الطبيعي أن يتم تدارس هذه القضية في المحفل الأممي المخصص لها وليس في لجنة أخرى من اللجان الست للجمعية العامة. وبالتالي، يظهر أن مناقشة قضية الصحراء داخل تلك اللجنة لم يأت بطلب من المغرب، بل كانت نتيجة لكون الصحراء كانت تعتبر من بين الاقاليم الرازحة تحت الاستعمار الاسباني, ومن ثم، فإن المكان الطبيعي لمناقشتها كانت هي اللجنة الرابعة.


وحتى نزيل كل لبس بخصوص السياق التاريخي الذي جاء في النزاع بخصوص الصحراء، يمكن الجزم بأنه لولا الضغوطات التي مارسها المغرب على إسبانيا منذ شهر أكتوبر 1957 حينما قام لأول مرة بإثارة النزاع على لسان المرحوم عبد اللطيف الفلالي في مجلس الوصاية، قبل أن يقوم المغرب بإثارة الملف مرة أخرى أياماً بعد ذلك في الجمعية العامة، لما تم وضع هذين الاقليمين قط في تلك اللجنة ولما توفر المغرب على المنصة متعددة الأطراف الوحيدة الكفيلة بإعطائه الفرصة لإثارة هذا الملف. ولعل خير دليل على ذلك أنه وحتى تقطع إسبانيا الطريق أمام المغرب، قامت عام 1958 بإصدار قانون قررت بموجبه اعتبار الصحراء وسيدي إفني وسبتة ومليلية أقاليم إسبانية على غرار باقي الاقاليم المتواجدة في التراب الاسباني. واستمر المغرب في ضغوطاته على إسبانيا على مدى السنوات الموالية، وهو ما أدى إلى تشكل شبه إجماع داخل اللجنة الخاصة واللجنة الرابعة والجمعية العامة مفاده أنه كان هناك نزاعاً ثنائيا بين المغرب وإسبانيا بخصوص السيادة على الصحراء. وتم عكس هذا الاجماع من خلال القرار 2072 الذ اعتمدته الجمعية العامة (أول قرار لها على الاطلاق) بتاريخ 16 دجنبر 1965، حيث طالب في فقرته الثالثة "بإلحاح إسبانيا باتخاذ جميع التدابير اللازمة فوراً من أجل تحرير إقليمي إيفني والصحراء الإسبانية من الهيمنة الاستعمارية، والدخول -لهذا الغرض- في مفاوضات بشأن المسائل المتعلقة بسيادة هذين الإقليمين".


ضرورة أخذ العبرة من عدم إدراج سبتة ومليلة في تلك القائمة


وكما أكدت على ذلك في الكتابين اللذات نشرتهما عن النزاع باللغة الانجليزية واللغة العربية، فعلى الرغم من أن المغرب تحفظ في أكثر من مناسبة على إدراج الصحراء وسيدي إفني في قائمة الاقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، فإن إدراجهما هو الذي سيدفع الجمعية في نهاية المطاف إلى تبني ذلك القرار (القرار 2072) وإلى إقرار إسبانيا بأنهما ليس إقليمين إسبانيين. ولو لم يضغط المغرب على إسبانيا طوال تلك الفترة ولم تقم الجمعية العامة بإدراجهما في تلك القائمة لوقع للمغرب ما وقع له بخصوص سبتة ومليلية، حيث أن توقف المغرب عن الضغط على إسبانيا بين عامي 1962 و1963 داخل اللجنة الرابعة- ظنا منه عن خطأ أن إسبانيا ستدخل معه في مفاوضات بخصوص الصحراء- هو الذي دفع اللجنة الرابعة لعدم إدراج هذين الثغرين في تلك القائمة. ومنذ ذلك أصبح عدم إدراجهما في تلك الاقاليم هي الحجة القانونية التي لا زال يستعملها الاسبان حتى يومنا هذا- كما ظهر جليا منذ نهاية شهر يوليوز الماضي- للطعن في الدفوعات المغربية التي تستند إليها المطالب المغربية بخصوص سبتة ومليلية. 


فلولا الضغوطات التي مارسها المغرب على إسبانيا- على الرغم من تحفظه على إدراجهما في قائمة الاقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي- لما قبلت إسبانيا الدخول في مفاوضات معه بخصوص سيدي إفني ولما أصبحت الصحراء تعتبر من وجهة نظر الجمعية العامة إقليما لم يتمكن بعد من التحرر من الاحتلال الاسباني. وكان القرار 2072 من الناحية القانونية إقراراً بأن النزاع بخصوص الصحراء لم يكن يتعلق بمطالبة أي شعب بحق تقرير المصير عبر الاستفتاء، بل كان في جوهر نزاع ثنائي بين المغرب وإسبانيا، وحتى وإن كان القرار قد أشار كذلك إلى موريتانيا. وقد كان النزاع سيظل كذلك من الناحية القانونية لولا إقدام المغرب على خطوة غير محسوبة العواقب قلبت الأمور رأساً على عقب وأضعفت الموقف المغربي في السنوات والعقود الموالية.


يونيو 1966: الخطوة المغربية التي قلبت مسار النزاع رأساً على عقب


وقد تجلت تلك الخطوة في الطلب الذي وجهه المغرب للجنة الخاصة خلال اجتماع لها بتاريخ 6 يونيو 1966، أي ستة أشهر بعد اعتماد القرار 2072، للضغط على إسبانيا لحملها على تمكين سكان الصحراء من تمكين المصير والاستقلال. ولم تعني تلك الخطوة أن المغرب قد تخلى عن سيادته على الصحراء أو أنه أقر بوجود شعب قائم بذاته هناك، بل كانت نابعة من إفراط قوي في ثقته في قدرة الأمم المتحدة على الضغط على إسبانيا للانصياع لقراراتها، سيما وأن إسبانيا لم تقدم منذ اعتماد القرار 2072 على أي خطوة في اتجاه الدخول في مفاوضات ثنائية مع المغرب. كما كان المغرب على ثقة كاملة أنه في حال اضطلعت الجمعية العامة بدورها وأرغمت إسبانيا على تمكين سكان الصحراء، الذين لم يكن يتعدى عددهم 24 ألفاً، فإنهم سينضمون بشكل تلقائي للمغرب، سيما وأن قادة القبائل الصحراوية ما فتئت تعبر عن تشبثها في اجتماعات الجمعية العامة في خريف عام 1965 بتشبتها بمغربيتها ورغبتها في الرجوع لحضن وطنها الام.

غير أن تلك الخطوة ستكلف المغرب كثيرا وستدخل النزاع في مرحلة جديدة، حيث ستستغله كل من الجزائر وإسبانيا، بمعية موريتانيا، لتوجيه النقاشات في اتجاه تثبيت فكرة مفادها أن المغرب لم يعد هو البلد الوحيد المعني بالنزاع ولم يعد يمتلك أي سند قانوني للضغط على إسبانيا للدخول في مفاوضات بخصوص السيادة على الإقليم، بل أن السبيل نحو الحل يكمن في تمكين سكان الصحراء في تقرير مصيرهم والاستقلال.


 ومنذ ذلك الحين، ونتيجة لاعتماد القرار 2229 في شهر دجنبر 1966 الذي فرق بين المسار المخصص للنزاع بخصوص إفني والنزاع بخصوص الصحراء، حرصت كل من الجزائر وإسبانيا على الادعاء في كل مداخلاتهما على أن سكان الصحراء يشكلون شعبا قائما بذاته وتواق للاستقلال. وبالتالي، شهد النزاع تحولاً قانونياً أصبح وبالاً على المغرب، حيث انتقل من كونه نزاع عن السيادة ينبغي حله عن طريق المفاوضات الثنائية بين المغرب وإسبانيا إلى كونه نزاع يتعلق بحق "شعب" في تقرير مصيره والاستقلال. ومنذ ذلك الحين، ظلت هذه هي السردية المسيطرة على النقاشات الاكاديمية والسياسية والإعلامية بخصوص النزاع، بل تشكلت سردية مفادها أن النزاع لم ينطلق عام 1957 حينما قام المغرب لأول مرة بالضغط على إسبانيا من أجل إنهاء احتلالها للإقليم، بل انطلق عام 1975 حينما استرجع المغرب سيادته الفعلية على الصحراء عقب المسيرة الخضراء واتفاق مدريد الثلاثي بين كل المغرب وإسبانيا وموريتانيا. ومن تم غاب عن النقاش كل الحقائق التاريخية والقانونية للنزاع للفترة ما بين 1957 و1965، والتي بدونها لا يمكن لأي محلل ولا أكاديمي نزيه أن يقدم تحليلاً موضوعيا عن كل حيثيات الموضوع والتغيرات التي طرأت عليه منذ البداية والمراحل التي مر بها حتى يومنا هذا. 


بناءً على ما تقدم، والمغرب قد حقق اختراقات دبلوماسية كبيرة قربته من إنهاء النزاع آخرها إنهاء مهمة المينورسو ونتطلع لإقدام المغرب على تقديم مشروع قرار داخل الجمعية العامة من أجل سحب الصحراء من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، ينبغي لنا كمغاربة ألا ننظر لوضع النزاع في تلك القائمة منذ 63 عاما باعتباره شيءً سلبيا، بل ينبغي اعتباره أمراً إيجابيا حرم إسبانيا من الإبقاء عليهما تحت سيادتها الفعلية والقانونية، حتى وإن تحفظ المغرب على تلك الخطوة التي أقدمت عليها الجمعية العامة. ولنا في مسألة سبتة ومليلية أكبر دليل على أهمية إدراج الصحراء في تلك القائمة. عوض أن نتحدث عما إذا كان المغرب هو من وضع الاقليم في تلك اللائحة وهو نقاش عقيم في نظري وإن كان علينا رفع أي لبس يخصوصه، ينبغي لنا أن نكرس تحاليلنا وجهودنا لاظهار كل الحقائق التاريخية والقانونية المغيبة عن النقاش لنسف الدعاية المغرضة التي تسعى للتشكيك في الموقف المغربي القوي والمسنود قانونيا وتاريخيا بحجج قوية. ولا يمكننا القيام بذلك إلا من خلال قراءة النزاع في سياقه التاريخي والقانوني لذلك الوقت والأسباب الكامنة وراء التغيرات التي طرأت عليه.