سياسة واقتصاد

خرجة رحو الأخيرة.. هل تحول مجلس المنافسة إلى "درع واقي" للاحتكارات؟

خالد أخازي ( روائي وإعلامي مستقل )
يئن الشارع المغربي تحت وطأة غلاء معيشي غير مسبوق... وينتظر المواطن من مؤسساته الدستورية أن تلعب دور "كابح الجماح" أمام تغول أصحاب النفوذ المالي... وعلى هامش هذا المشهد الاجتماعي الصعب، نسمع همس مجلس المنافسة الأخيرة، متمثلة في تصريحات غريبة لأحمد رحو، ترسل إشارات طمأنة للشركات أكثر منها للمواطنين. 

إن الاكتفاء بتفسير تقارب الأسعار بأنه "تفاعل طبيعي" و"شفافية سوق" ليس مجرد قراءة اقتصادية باردة، بل هو انحياز سياسي مبطن يشرعن واقعا احتكاريا يرفضه المنطق الاقتصادي السليم ويصطدم بجدار الواقع المعيش الذي يكويه لهيب الأثمان في كل رحلة صوب محطة الوقود.

هندسة الصمت: كيف تدار اللعبة خلف المحطات؟

عندما يتحدث مجلس المنافسة عن "سلعة موحدة الجودة" لتبرير تطابق الأسعار، فإنه يتجاهل عمدا بديهيات اقتصاد السوق التي يزعم حمايتها. المنافسة الحقيقية لا تبحث عن الفوارق في جودة البنزين فحسب، بل في "كفاءة التسيير" و"القدرة اللوجستية" التي تمنح شركة ما الأفضلية لخفض السعر لربح حصة أكبر من الزبناء. أما ما نراه في المغرب، فهو "توافق صامت" يعكس بنية سياسية-اقتصادية ترفض الصدام وتفضل الاستكانة لمنطق "نادي الكبار".

إن تشابه الأسعار بالفاصلة والسنتيم بين شركات تختلف في أحجامها وقدراتها التخزينية ليس علامة صحة، بل هو دليل قاطع على أن المنافسة في هذا القطاع "مؤممة" لصالح قلة من الفاعلين. وبدلا من أن يكون المجلس أداة لفك هذا الارتباط الخفي، يبدو وكأنه استسلم لمنطق "الأمر الواقع"، محولا دوره من "قاضي السوق" المنوط به الضرب على يد العابثين، إلى "محلل تقني" يسوق الأعذار ويبرر الأزمات بدل اجتثاث جذورها. هذا الصمت المطبق حيال هوامش الربح الفاحشة هو الذي يمنح الشركات الضوء الأخضر للاستمرار في نهجها، معتبرة أن الرقابة ليست سوى "سحابة صيف" عابرة.

"فخ التحرير".. المواطن يؤدي فاتورة مغامرة سياسية عرجاء

لا يمكن قراءة واقع المحروقات اليوم بمعزل عن قرار "التحرير" الذي تم دون وضع شبكات أمان أو آليات رقابة استباقية. لقد ألقي بالمواطن في بحر "السوق الحر" وهو مكبل اليدين أمام حيتان تملك المال، واللوجستيك، وقنوات التأثير في القرار. والنتيجة هي ما نعيشه اليوم: أرباح فلكية للشركات تظهر في تقاريرها السنوية المليئة بالأرقام الخضراء، مقابل تآكل مخيف للطبقة الوسطى واندحار تام للطبقات الفقيرة نحو قاع الحاجة.

المفارقة السياسية الصارخة تكمن في أن الدولة، عبر مجلس المنافسة، تطالب المواطن بالصبر وتفهم تقلبات السوق العالمية وتأثيرات الجغرافيا السياسية، لكنها لا تظهر نفس "الحزم" في مساءلة الشركات عن سر اختفاء أثر الانخفاضات العالمية على الأثمنة المحلية. إنها سياسة "الصعود الصاروخي" عند الزيادة و"النزول السلحفاتي" عند الانخفاض، وهي معادلة لا تستقيم أخلاقيا ولا اقتصاديا إلا في ظل رقابة نائمة أو متواطئة بالسكوت. إن هذا الانفصام في التعامل مع طرفي المعادلة (الشركة والمستهلك) يكرس الشعور بانعدام العدالة الاقتصادية ويجعل من "التحرير" مجرد غطاء لتمرير أكبر عملية لنقل الثروة من جيوب الملايين إلى أرصدة القلة.

مجلس المنافسة.. مؤسسة للحساب أم كومبارس دستوري؟

إن السؤال السياسي الحارق الذي يطرحه الشارع اليوم بمرارة: لمن يعمل مجلس المنافسة فعليا؟ إذا كانت تقاريره لا تمنع جشعا، وتصريحات رئيسه تمنح الشركات غطاء أخلاقيا لتبرير تماثل أثمانها، فإن الجدوى من وجود هذه المؤسسات تصبح محل شك شعبي كبير. إن الرقابة التي تأتي بعد فوات الأوان، وبعد أن تكون الشركات قد راكمت أرباحها غير المشروعة، هي "شهادة وفاة" للقدرة الشرائية وليست حماية لها.

المقارنة مع دول ديمقراطية تظهر أن "هيبة الدولة" هناك تستمد من قدرتها على حماية المواطن البسيط من جشع الكيانات العابرة للقارات، حيث الغرامات الفورية التي تهز أركان الشركات والتحقيقات الجنائية في شبهات التواطؤ السعري هي القاعدة الأساسية، وليست الاستثناء الخجول. أما في المغرب، فقد أصبح الاحتكار "وجهة نظر" تدافع عنها المؤسسات التي كان من المفترض أن تحاربها، مما خلق حالة من "اللايقين" السعري حيث يجد المواطن نفسه وحيدا في مواجهة تكتل يملك كل شيء، بينما لا يملك هو سوى خيار "القبول أو الصمت".

النزيف المستمر.. أبعد من مجرد لترات وقود في الخزان

الأمر في عمقه لا يتعلق فقط بزيادة درهم أو اثنين في اللتر الواحد، بل بزعزعة أسس الاستقرار الاجتماعي وتعميق الفوارق الطبقية التي باتت تهدد السلم الأهلي. كل سنتيم يضاف في محطة الوقود هو "ضريبة غير مباشرة" مقتطعة من رصيد الكرامة الإنسانية. إن استمرار هذا النهج الرقابي الرخو يغذي الشعور بـ "الحكرة" ويؤكد القناعة الشعبية بأن هناك زواجا غير شرعي بين سلطة المال وسلطة القرار، حيث تظل الشركات محصنة من الحساب الحقيقي، بينما يظل المواطن هو "الحلقة الأضعف" التي تتحمل دائما كلفة الاختلالات.

لقد تحول لتر الوقود إلى محرك للتضخم في كل شيء، من رغيف الخبز إلى تذكرة الحافلة، مما يعني أن التقاعس عن ضبط سوق المحروقات هو تقاعس عن حماية الأمن الغذائي والمعيشي للمغاربة. إن السياسة الرقابية الحالية، القائمة على "المناصحة" بدل "المحاسبة"، أثبتت فشلها الذريع في لجم الأطماع، وبات لزاما الانتقال إلى مرحلة "العقوبات الرادعة" التي تجعل من التلاعب بقوت الشعب مغامرة مكلفة جدا للشركات.

لغة الأرقام الصادمة: مفارقة 2025 كنموذج صارخ

في قراءة متفحصة للبيانات، تظهر سنة 2025 كدليل إدانة لا يقبل التأويل؛ فبينما كان العالم يحتفل بانخفاض خام برنت إلى حدود 66 دولارا للبرميل، كان المستهلك المغربي يصدم بسعر 13.20 درهما للتر البنزين. كيف يمكن لمجلس المنافسة أن يشرح هذا الفارق الشاسع؟ وكيف يمكن تبرير أن ينخفض الخام العالمي بنسبة 7% بينما يرتفع السعر المحلي بنسبة 26%؟ إنها هندسة "الربح المضمون" التي تمارسها الشركات على حساب شعب يعاني، في ظل صمت مؤسساتي مريب يكتفي برصد الأرقام وتوصيفها وكأنها قدر لا يرد.

هذا الانفصام الرقمي يعكس غياب "المرونة التنافسية"، فالسوق المغربي محصن ضد الانخفاض ومنفتح بشراهة على الارتفاع. هذه الحقيقة وحدها كفيلة بنسف كل المبررات التقنية التي تسوقها رئاسة مجلس المنافسة، وتضعنا أمام حقيقة واحدة: السوق محكوم بمنطق "الوزيعة" وليس بمنطق "المنافسة". إن استمرار هذا الوضع يفرغ المؤسسات الدستورية من محتواها ويجعل من نصوص القانون مجرد حبر على ورق أمام قوة النفوذ المالي.

سيادة القرار الرقابي الشعبي

لا يحتاج المغرب اليوم إلى "محللين اقتصاديين" بنظارات راقية الرؤية بعيدة عن المشهد الاجتماعي دد في مجلس المنافسة، بل إلى "صناع قرار" يملكون الجرأة السياسية والوطنية لكسر بنية الاحتكار المتجذرة. إن إصلاح منظومة المحروقات ليس مستحيلا، لكنه يبدأ من استعادة هيبة الدولة الرقابية، وفرض شفافية قسرية على بنية الأسعار وهوامش الربح، وفتح السوق لفاعلين جدد لا يدورون في فلك "الشلة المغلقة" الحالية التي تمتص دماء الاقتصاد الوطني.

إن الرهان اليوم يتجاوز حدود "الأثمان"، ليمس جوهر العلاقة بين المواطن والدولة. فإما مؤسسات قوية تحمي الضعيف من جشع القوي، وإما استمرار في نهج "الدرع الواقي" الذي يشرعن التغول ويراكم الاحتقان. بدون تغيير حقيقي وملموس في ميزان الرقابة، ستظل تصريحات رحو مجرد صدى لمصالح الكبار، ويظل المواطن وقودا لمحطات وقود لا ترحم، في انتظار لحظة الحقيقة التي لن تنفع معها التقارير الإحصائية ولا التبريرات الباردة.