لم يعد تبرير الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات مجرد مسألة تقلبات دولية أو "جيو-سياسية"، بل أضحى تراجيديا سياسية واقتصادية مكتملة الأركان، فخروج محمد رحو، رئيس مجلس المنافسة، ليؤكد أن تتبع الأسعار اليومي ليس من مهامه، هو في العمق إعلان صريح عن ترك المواطن وحيداً في مواجهة تغول الموزعين.
هذا التصريح يرمي بالمسؤولية كاملة في حضن السلطة الحكومية، وهي المفارقة التي تثير السخرية والألم في آن واحد؛ إذ كيف يُنتظر من حكومة يترأسها عزيز أخنوش، الفاعل الأول والمهيمن على قطاع المحروقات عبر مجموعته "أفريقيا"، أن تمارس دور الرقيب على نفسها؟
إننا أمام وضعية شاذة في أدبيات السياسة والحكامة، حيث تغيب الحدود الفاصلة بين "رجل الدولة" و"رجل الأعمال". فتقرر شركات التوزيع، وعلى رأسها الشركة المملوكة لرئيس الحكومة، إقرار زيادة قدرها درهمان في ليلة واحدة، وهنا لا نتحدث عن سوق تنافسي، بل عن استعراض للقوة الاقتصادية المحمية بالقرار السياسي.
إن "جشع" الشركات الذي يتحدث عنه الشارع ليس مجرد انطباع عاطفي، بل هو نتيجة طبيعية لغياب المحاسبة؛ فالمجلس الذي يُفترض أن يراقب يكتفي بـ "التحليل النظري"، والحكومة التي يُفترض أن تكبح أطماع الشركات هي المستفيد الأول من هذه الأرباح الفلكية التي تُضخ في حسابات شركة رئيسها.
وتزداد الصورة قتامة حينما نعاين الخلل في تدبير المخزون الاستراتيجي، الذي اعترف رئيس مجلس المنافسة بأنه لا يبلغ دائماً مستواه القانوني. هذا التقصير ليس مجرد خطأ إداري، بل هو انعكاس لغياب الإرادة السياسية في ضبط هذا القطاع الحيوي. فاستدامة المخزون تفرض كلفاً إضافية على الشركات، ومن الواضح أن "حكومة الباطرونا" تفضل حماية هوامش ربح الموزعين على حساب الأمن الطاقي للمغاربة.
إنها حالة من التماهي التام بين السلطة والمال، حيث يصبح القرار الحكومي مجرد أداة لخدمة الحصص السوقية، وتصبح معاناة المواطن مجرد أرقام في تقارير لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
إن وجود عزيز أخنوش على رأس الهرم التنفيذي، في وقت تستحوذ فيه مجموعته على حصة الأسد من السوق، ينسف أي ثقة في قدرة الدولة على ضبط الأسعار أو حماية القدرة الشرائية. إنها أزمة أخلاقية قبل أن تكون اقتصادية؛ فالمواطن الذي يواجه غلاء المعيشة يجد نفسه أمام جدار مسدود، حيث الخصم هو الذي يضع القوانين، وهو الذي يراقب تنفيذها، وهو الذي يجمع الأرباح في نهاية المطاف، ليظل التساؤل قائماً: إلى متى سيظل تدبير الشأن العام رهينة لمصالح "الفراقشية"؟






