رأي

مصطفى الغاشي:الجامعة المغربية والمشاريع الاستراتيجية الوطنية.. بين الغياب ومحدودية المواكبة

لم تعد الجامعة في التجارب الدولية الحديثة مجرد مؤسسة للتدريس ومنح الشهادات، بل تحولت إلى فاعل استراتيجي في إنتاج الثروة والابتكار وصناعة القرار العمومي. ففي الاقتصادات الصاعدة والأنظمة الصناعية الجديدة، أصبحت الجامعة جزءًا من الأمن الاستراتيجي للدولة، ومختبرًا لإعداد النخب والكفاءات المواكبة للتحولات الكبرى.

 

في المغرب، تبدو المفارقة واضحة: الدولة تطلق مشاريع استراتيجية ضخمة في مجالات الصناعة والطاقة والتحول الرقمي والاستثمار واللوجستيك، بينما ما تزال الجامعة المغربية تتحرك في هامش هذه الدينامية الوطنية، إما بضعف الانخراط أو بغياب التأثير الفعلي في صناعة هذه التحولات.

 

لقد دخل المغرب خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة عنوانها “المشاريع الكبرى”، سواء المرتبطة بالاستراتيجية الوطنية للاستثمار، أو التحول الرقمي، أو الصناعات المرتبطة بالسيارات والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، إضافة إلى التحضيرات المرتبطة بكأس العالم 2030. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن المملكة تراهن بشكل متزايد على الاستثمار الخاص والصناعات ذات القيمة المضافة العالية.

 

غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين تتموقع الجامعة المغربية داخل هذه التحولات؟

 

الواقع يكشف أن العلاقة بين الجامعة والمشاريع الاستراتيجية الوطنية ما تزال تعاني اختلالًا بنيويًا. فالجامعة، في كثير من الأحيان، تبدو منفصلة عن الحاجيات الحقيقية للاقتصاد الوطني. فبينما تتجه الدولة نحو اقتصاد صناعي ورقمي جديد، تستمر أغلب المؤسسات الجامعية في إنتاج تكوينات تقليدية، لا تنسجم دائمًا مع متطلبات السوق والتحولات التكنولوجية المتسارعة.

 

هذا الوضع يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النموذج الجامعي نفسه. إذ ما تزال الجامعة المغربية أسيرة ثلاثية مزمنة:

أولا، ضعف البحث العلمي التطبيقي؛ في جميع المؤسسات الجامعية.

ثانيا، محدودية الشراكة مع القطاع الاقتصادي؛ بنوعيه العام والخاص.

ثالثا، غياب رؤية استراتيجية تربط التكوين بالمشاريع الوطنية الكبرى.

 

صحيح أن وزارة التعليم العالي تتحدث اليوم عن إصلاح شامل للجامعة وعن استراتيجية جديدة للابتكار والرقمنة. لكن الإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بإنتاج وثائق الإصلاح، بل بقدرة الجامعة على التحول إلى مؤسسة منتجة للمعرفة الاستراتيجية. فعندما تطلق الدولة مشاريع مرتبطة بالطاقات المتجددة أو الصناعات الدقيقة أو الذكاء الاصطناعي، يصبح من الطبيعي أن تكون الجامعة في قلب هذه الدينامية: عبر مختبرات بحث مرتبطة بالحاجيات الصناعية؛ وعبر تكوين مهندسين وباحثين متخصصين؛ وعبر إنتاج حلول علمية وتكنولوجية وطنية.

 

لكن الواقع يبين أن أغلب المشاريع الاستراتيجية يتم تدبيرها بمنطق تقني وإداري أكثر منه أكاديمي ومعرفي، في حين يظل حضور الجامعة محدودًا في مستويات الاستشارة والابتكار والمواكبة العلمية.

 

إن أحد أبرز مظاهر هذا الخلل يتمثل في ضعف مساهمة البحث العلمي المغربي في دعم السياسات العمومية. فرغم إحداث المجلس الوطني للبحث العلمي بهدف تنسيق الاستراتيجية الوطنية للبحث العلمي والابتكار، إلا أن الجامعة ما تزال بعيدة عن لعب دور “بيت الخبرة الوطني” القادر على تقديم المعرفة الدقيقة للدولة والمجتمع.

 

وفي المقابل، تكشف التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في بناء قوتها الاقتصادية جعلت من الجامعة رافعة استراتيجية حقيقية. ففي كوريا الجنوبية والصين وألمانيا، ارتبطت الجامعات مباشرة بالمشاريع الصناعية والتكنولوجية، وتحولت مراكز البحث إلى شريك فعلي في الاقتصاد الوطني.

 

أما في المغرب، فما يزال التنسيق بين الجامعة والقطاع الاقتصادي ضعيفًا، رغم الحديث المتكرر عن “الجامعة المقاولاتية” و”الابتكار”… الخ. بل إن عددًا من المقاولات الكبرى تشتكي من فجوة حقيقية بين مخرجات التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل.

 

الأخطر من ذلك أن الجامعة المغربية أصبحت تعيش نوعًا من “العزلة المؤسساتية”، حيث تتحول المشاريع الوطنية الكبرى إلى أوراش تقنية مغلقة، دون تعبئة حقيقية للكفاءات الجامعية الوطنية. وهو ما يطرح سؤال الثقة في الخبرة الوطنية، وحدود إشراك الباحثين والأساتذة في صناعة القرار الاستراتيجي.

 

ومع ذلك، لا يمكن اختزال الصورة في التشاؤم الكامل. فهناك محاولات بدأت تظهر في بعض الجامعات المغربية للانخراط في التحول الرقمي والابتكار والبحث التطبيقي، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والرقمنة والهندسة الصناعية. كما أن مشاريع تطوير الجامعات الذكية وتحديث البنيات الرقمية تعكس وعيًا رسميًا متزايدًا بأهمية تحديث الجامعة المغربية.

 

لكن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تحديث البنيات، بل في إعادة تعريف وظيفة الجامعة داخل الدولة المغربية الحديثة. فالجامعة ليست فضاءً للتلقين فقط، بل مؤسسة لصناعة المستقبل الوطني.

 

إن المغرب وهو يدخل مرحلة المشاريع الاستراتيجية الكبرى، يحتاج إلى جامعة جديدة، بتصور جديد:

 

– جامعة مرتبطة بالاقتصاد الوطني؛ فالجامعة المغربية لازالت إلى أليوم على هامش الاقتصاد الوطني وإنتاج الثروة.

– جامعة منتجة للمعرفة التطبيقية؛ وهي حاجة ضرورية ومستعجلة للاقتصاد والصناعة المغربية.

– جامعة تؤمن بالبحث العلمي كرافعة للسيادة الوطنية؛ فالبحث العلمي في الجامعة المغربية لازال يراوح مكانه وعاجز عن تحقيق الطفرة.

– وجامعة تتحول من مؤسسة هامشية إلى فاعل استراتيجي في التنمية.

لأن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تواكب الجامعة المغربية التحولات الوطنية؟ بل أصبح: هل يمكن للمغرب أن ينجح في رهاناته الاستراتيجية الكبرى دون جامعة قوية وفاعلة؟