من بين روائع الممثل ليوناردو ديكابريو فلم Catch Me If You Can حيث تمكن البطل من انتحال مهن مختلفة دون أن ينكشف أمره. هذا الدور الذي جسده ديكابريو ببراعة نجده اليوم في واقعنا المعيش بشكل غريب، فما يكاد المرء يعود إلى رشده من خيال السينما حتى يصطدم بجيش عرمرم من المنتحلين الذين يصولون ويجولون في مختلف مرافق الحياة اليومية تاركين خلفهم الروع والجزع ومحققين أعظم الغنائم في مجتمع غابت عنه صرامة الرقابة واعتلاه قانون الغاب وتراخت فيه قبضة المحاسبة والمساءلة.
فأما قطاع الصحافة والإعلام وأما ما يشهده من تسيب وانفلات خطير فحدث عنه ولا حرج، فقد أتاح الانفجار الرقمي المهول لكل من هب ودب أن ينصب نفسه مدير نشر أو مراسلا صحفيا يوجه الرأي العام ويتحكم في مزاجه وهو لم يطأ يوما مدرجات المعاهد العليا ولم يتلق أيسر المبادئ في أخلاقيات المهنة وتاريخها المجيد. يتجاوز هذا التطاول السافر حدود التطفل المعرفي والسطحية الفكرية ليمتد نحو تدمير ممنهج لرسالة الصحافة النبيلة وغاياتها التنويرية، حيث يفرز هذا العبث محتوى رديئا يضرب في صميم الأخلاقيات وينعش مستنقع الابتزاز والانتفاع المادي مرسخا خطابا شعبويا مضللا يعتمد نشر الإشاعات وتشويه الحقائق وتصفية الحسابات الضيقة. وإذا سقط في يده أو ووجه بالحجة الدامغة والدليل القاطع أخذ يجمجم بكلمات لا تستقيم وعبارات متناقضة محاولا إخفاء جهله العميق خلف شعارات حرية التعبير، بينما المهنة الحقيقية وأصحابها الشرعيون يقفون كاسفي البال أمام هذا الانهيار المريع الذي أطاح بوقار الكلمة ومصداقية الخبر وأحال السلطة الرابعة إلى مرتع خصب لمن لا مهنة له يسرح فيه ويمرح بلا قيد ولا شرط. يكفي أن نتأمل ما تفرزه مئات المواقع الإخبارية غير المرخصة من محتويات بائسة لندرك حجم الكارثة التي ألمت بالوعي المجتمعي جراء هذا التسيب الذي لم يترك لغة إلا أفسدها ولا حقيقة إلا شوه معالمها.
على أن آفة الانتحال والتزوير لم تقف عند حدود الكلمة المكتوبة أو المرئية بل امتدت بقوة لتعبث بعقول الناس وأجسادهم ومصايرهم في ظل فوضى المنصات التواصلية التي أفرزت طوابير طويلة من المدعين الذين يوزعون النصائح ذات اليمين وذات الشمال كأنهم يملكون مفاتيح الغيب وأسرار الشفاء. ظهر بيننا فجأة الكوتش النفسي المزيف الذي يبيع الوهم للمحبطين ويدعي معالجة الإدمان والاكتئاب والاضطرابات العميقة بكلمات جوفاء وعبارات مستوردة تضاعف حجم المأساة وتعمق جراح النفوس المتعبة، وظهر كذلك خبير التغذية الذي يصف خلطات عشبية سحرية يشفي بها الأمراض المستعصية فتنتهي وصفاته بكوارث صحية تورد أصحابها موارد الهلاك السريع. يستغل هؤلاء الدجالون الجدد حاجة الناس الماسة والبحث المضني عن الوئام والسلام الداخلي وسط ضغوط الحياة المعاصرة، فيسوقون لهم بضاعة كاسدة لا تستند إلى علم صحيح ولا إلى تجربة موثقة محققين أرباحا خيالية ومراكمين ثروات طائلة تتجاوز ملايين الدراهم على حساب آلام المرضى ومعاناتهم المكتومة وضعف بصيرتهم.
ولا عجب أن يمتد هذا العبث المجتمعي إلى مهن تقنية وعلمية لا تحتمل أدنى هامش للخطأ البشري، فقد بتنا نسمع في مجالسنا ومحاكمنا عن أطباء منتحلين يرتكبون أخطاء طبية فادحة تكلف المرضى حياتهم الغالية أو تتركهم بعاهات مستديمة تلازمهم طوال أعمارهم، وعن صيادلة يوزعون أدوية مغلوطة تضاعف العلة بدل أن تشفيها متجاهلين أصول الصنعة ومقاصدها العلاجية الدقيقة. نرى في زوايا الشوارع تقنيين وميكانيكيين يتدخلون لإصلاح أعطاب المركبات بجهل مركب فيفسدون ما حاولوا إصلاحه لتكون النتيجة المباشرة حوادث سير مميتة تحصد سنويا ما يقارب 3500 قتيل وتخلف المآسي والأحزان في بيوت الآمنين. أحق هذا؟ أم الحق شيء آخر هو أن غياب التكوين الرصين واستسهال المهن الدقيقة قد حول حياة المواطن إلى حقل تجارب مفتوح يمارس فيه المتطفلون هواياتهم المدمرة وتجاربهم الفاشلة دون حسيب أو رقيب يزجرهم أو يردعهم عن غيهم المبين.
ومن البديهي أن هذا الواقع المتردي الذي تتناسل فيه الغوائل المظلمة وتتراكم فيه الخسائر المادية والمعنوية لا يستطيع أن يستمر على حاله دون أن يأتي على ما تبقى من مقومات المجتمع المتماسك وثوابته الراسخة. يتجاوز الأمر مجرد أفراد يطمحون إلى تحسين وضعهم المادي بطرق ملتوية واحتيال صريح ليصل إلى ظاهرة هيكلية تنخر جسد الأمة وتعطل عجلة تنميتها الاقتصادية والاجتماعية. ترك الحبل على الغارب لكل من أراد أن يمارس الطب أو الصحافة أو الهندسة أو التوجيه النفسي دون أن يدلي بما يثبت أهليته وكفاءته الأكاديمية يعكس تقصيرا بينا وتهاونا صريحا في حماية الصالح العام وحماية الوطن. يشكل غياب الضبط الإداري وتراخي آليات المراقبة والتتبع وضعف المحاسبة القانونية العوامل الأساسية التي مهدت الطريق لظهور هذه النسخ المشوهة من المدعين وفتحت أمامهم أبواب العبث بمقدرات الأمة وأرواح أبنائها ليبقى المواطن البسيط الضحية الأولى والأخيرة في غابة يسيطر عليها من يجيد اقتناص الفرص وتزييف الحقائق بعيدا عن مسالك العلم والعمل الجاد. تنهض الأمم وترتقي بالعلم الصحيح والمهارة المكتسبة والتقاليد المهنية الصارمة التي تحفظ لكل ذي حق حقه وتضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار. يضع تقاعس المؤسسات الرسمية عن تطبيق مقتضيات القوانين المنظمة للحرف والمهن وامتناعها عن تفعيل الرقابة البعدية والقبلية الأجهزة المعنية في موضع المساءلة التاريخية والأخلاقية أمام أجيال تنشأ في بيئة اختلط فيها الحابل بالنابل واستوى فيها العالم النحرير مع الجاهل المتعالم المنحرف.






