يُعدّ التعليم قضية محورية منذ الحصول على الاستقلال، فهي ذات أبعاد سيادية وحضارية وتنموية. وقد حضي بالأولوية في السياسية العمومية والبرامج العمومية، وخصصت له مؤسسات دستورية وتدبيرية وإمكانيات مالية وبشرية، واعتمدت فيه مقاربات متنوعة ومتجددة.
غير أن تقارير التقييم الوطنية والدولية الأخيرة لمنظومة التربية والتكوين، لا سيما تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تؤكد تفاقم ظاهرة التعثر وتراجع مستوى التحصيل الدراسي لدى المتعلمين، خصوصاً في المواد الأساسية كالرياضيات واللغات. ويعود ذلك إلى تراكم عوامل عدة، على رأسها تعثر محطات الإصلاح السابقة، مما وضع الوزارة الوصية أمام حتمية إطلاق برامج استدراكية ميدانية للحد من هذا النزيف التعليمي وتجاوز الفوارق المسجلة.
وفي هذا السياق، تستعد وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة لإطلاق برنامج تربوي ميداني جديد يحمل اسم «مراجعة»، يروم دعم التلاميذ الذين يعانون من صعوبات دراسية ومساعدتهم على تجاوز تعثراتهم. ومن المرتقب أن تنطلق الأنشطة الميدانية لهذا البرنامج ابتداءً من 26 أكتوبر 2026 لتستمر طيلة الموسم الدراسي، مسلطة الضوء بشكل أساسي على ثلاث مواد محورية: اللغة العربية، اللغة الفرنسية، والرياضيات.
تُعبأ لتأطير هذه الحصص موارد بشرية متنوعة تضم الأساتذة الممارسين، والأطر التربوية المتقاعدة، فضلاً عن طلبة سلك الإجازة الذين سيساهمون في تقديم الدعم مقابل تعويضات مادية، شريطة توفر الكفاءة ومهارات التواصل، وعدم الجمع بين هذه المهمة وأي تكليف آخر بتوقيت جزئي، مع إعطاء الأولوية للأساتذة المنسقين ومن راكموا تجارب سابقة في برامج الدعم.
ورغم أهمية هذه المبادرة الميدانية التي يجب دعمها من جميع مكونات قطاع التربية والتعليم، فإن رهان تجاوز أزمة التعثرات يظل محدود الأثر ما لم يُتوج بثورة هيكلية حقيقية تُحدث قطيعة تامة مع الحلول الجزئية والإصلاحات الباردة. إن التحدي الأكبر اليوم لا يتعلق بوفرة الوسائل بقدر ما يتعلق بإرادة حازمة مبنية على حكامة صارمة وجودة عالية؛ وهو رهان لا يمكن كسبه إلا بمناهج جديدة ذات مرجعية وقيم مغربية، متوافقة مع التطورات والحاجيات ومنفتحة على التجارب الدولية الرائدة. كما يتطلب التزاماً راسخاً باعتماد معايير الشفافية والاستحقاق في انتقاء المسؤولين، ورد الاعتبار للمدرس تكريماً وتحفيزاً ومحاسبة، فضلاً عن تحرير المناهج من الاقتباس والحشو، وإرساء تقييم علمي وموضوعي دائم.
فوطن طموح وصاعد كالمغرب، يراهن على مستقبله الحضاري والسيادي، لا يمكنه كسب رهانات الهوية، والسيادة، والتنمية، والعدالة، إلا بمدرسة عمومية صلبة، منصفة، وعالية الجودة؛ قادرة على صناعة أجيال المستقبل بانتماء راسخ ومحصن، وعقل سليم ومبدع، وسلوك قويم ومسؤول.






