سياسة واقتصاد

إلى السيدة رئيسة الحكومة

نعيمة لحروري (عن يومية "الأخبار")

سيدتي رئيسة الحكومة،

أكتب إليك اليوم كامرأة فرحت، من قلبها، وهي ترى امرأة تجلس للمرة الأولى على كرسي رئاسة الحكومة في المغرب.

ولن أخفي انحيازي للنساء حين يتعلق الأمر بالتدبير. ليس لأن النساء أفضل بالضرورة، ولا لأن الأنوثة شهادة كفاءة تمنح لصاحبتها بمجرد الميلاد، ولكن لأنني رأيت، وعشت، كيف تستطيع المرأة حين تمنح لها المسؤولية الحقيقية أن تكون أكثر التصاقا بالتفاصيل، أكثر إحساسا بما لا تقوله الأرقام، وأكثر قدرة على رؤية الإنسان خلف الملفات والتقارير.

لذلك كان وصولك إلى رئاسة الحكومة لحظة تستحق أن نتوقف عندها.

لأول مرة في تاريخ المغرب نقول: “رئيسة الحكومة”.

كلمتان بسيطتان، لكن وراءهما طريق طويل قطعته المرأة المغربية حتى تصل إلى المكان الذي ظلت تنظر إليه، لعقود طويلة، من خارج الباب.

لكنني، سيدتي، لا أريد لتجربتك أن تبقى مجرد صورة جميلة في ألبوم التاريخ السياسي للمغرب.

لا أريد أن نقول بعد سنوات إن المغرب عين أول امرأة رئيسة للحكومة، ثم نضع نقطة وننصرف.

أريد أن يكون لما بعد تلك النقطة كلام كثير.

أريد أن يتذكر المغاربة هذه التجربة، لا لأن امرأة قادت الحكومة فقط، بل لأن شيئا ما تغير في حياتهم وهي تقودها.

أن يشعر الشاب الذي أنهكته البطالة بأن الحكومة تعرف أنه موجود.

وأن تشعر الأسرة التي تحسب ما تبقى من راتبها قبل أن تصل إلى منتصف الشهر بأن هناك من يسمع أنين قدرتها الشرائية.

وأن يجد المريض سريرا وعلاجا وكرامة، لا موعدا بعد شهور طويلة.

وأن يجد الطفل في القرية مدرسة لا تقل قيمة عن مدرسة المدينة.

وأن يجد الفلاح الصغير من يحميه من الجفاف ومن الوسطاء ومن السياسات التي كثيرا ما تتذكره في الخطب وتنساه عند توزيع الدعم.

وأن يشعر المواطن، أينما كان، بأن الدولة لا تقيس قيمته بقربه من المركز، وأن المغرب ليس فقط ما نراه من نوافذ الرباط والدار البيضاء ومراكش، بل هو أيضا تلك القرى البعيدة، والجبال، والواحات، والحدود، والأماكن التي لا تصلها كاميرات التلفزيون إلا عندما تقع فيها كارثة.

سيدتي رئيسة الحكومة،

أمامك فرصة أكبر من تشكيل حكومة.

أمامك فرصة لصناعة تجربة.

فالنساء اللواتي يصلن للمرة الأولى إلى مواقع ظلت حكرا على الرجال لا يحملن أسماءهن وحدها. يحملن، شئنا أم أبينا، أحلام كثيرات سيأتين بعدهن.

ولهذا ستكون تجربتك تحت المجهر أكثر من غيرها.

سيحصي البعض أخطاءك لأنك امرأة، وسيغفرون لغيرك ما قد لا يغفرونه لك. وسيبحث آخرون في نجاحك عن حجة تقول إن المرأة تستطيع، مع أنها لم تكن يوما مطالبة بإثبات إنسانيتها أو كفاءتها أكثر من الرجل.

لهذا أتمنى ألا تكون حكومتك حكومة تجميل للصورة.

لا نريد نساء في الواجهة فقط، ولا أرقاما نرفعها في المؤتمرات الدولية لنتحدث عن تمثيلية النساء.

نريد نساء يقررن.

ونساء يمتلكن السلطة التي تتناسب مع المسؤولية.

ونساء وصلن لأنهن يستحققن الوصول، لا لأن رجلا اختارهن لإكمال لائحة أو لتزيين مشهد.

وربما تعرفين أكثر من غيرك كم هو طويل الطريق بين أن تكون المرأة موجودة في السياسة، وبين أن تكون صاحبة قرار فيها.

لكن انتصار المرأة، في نظري، لن يكون بأن تنتصر حكومتك للنساء وحدهن.

سيكون انتصارها الحقيقي حين تنتصر للمغاربة.

للفقير قبل الغني، وللقرية كما المدينة، ولمن يملك صوتا مرتفعا ولمن لا يسمعه أحد.

حين تحارب الريع، وتضيق المسافة بين المسؤولية والمحاسبة، وتجعل الإدارة في خدمة المواطن لا المواطن في خدمة الإدارة.

حين يصبح المنصب تكليفا حقيقيا لا غنيمة، ويعرف الوزير أن وراء كل توقيع حياة مواطن قد تتغير إلى الأفضل أو إلى الأسوأ.

وحين يكون اختيار الكفاءات أقوى من المجاملات، والمصلحة العامة أقوى من الحسابات الحزبية.

لقد دخلت التاريخ بالفعل، سيدتي.

وهذا لن يستطيع أحد أن ينتزعه منك.

لكن التاريخ، في النهاية، لا يحتفظ طويلا بمن وصلوا إلى الكراسي.

إنه يحتفظ أكثر بما فعلوه وهم يجلسون عليها.

لذلك، وأنا التي أحب أن أرى النساء في مواقع القرار، أتمنى لك النجاح بصدق، لكنني أتمنى لك نجاحا صعبا، لا ذلك النجاح السهل الذي تصنعه العناوين والتصفيقات.

أتمنى أن تنجحي في الأشياء التي يشعر بها الناس حين يغلقون أبواب بيوتهم مساء.

في ثمن خبزهم.

في مدرسة أطفالهم.

في دواء آبائهم.

في فرصة عمل أبنائهم.

في كرامتهم أمام الإدارة.

وفي شعورهم بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم.

فكوني، سيدتي، أول امرأة ترأس حكومة المغرب..

لكن لا تجعلي “الأولى” أجمل ما سيقال عن تجربتك.

اجعلي ما يأتي بعدها أجمل.