منذ إقرار دستور 2011، أنيط بالمواطن المغربي دور متقدم في مجال التشريع، سواء عبر آليات الديمقراطية التشاركية، وعلى رأسها الملتمسات في مجال التشريع، أو من خلال آليات الرقابة الدستورية البعدية التي كفلها الفصل 133، والتي تمنح الفرد حق ولوج القضاء الدستوري للدفاع عن حقوقه وحرياته.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كان مسار الدفع بعدم دستورية القوانين مهددا بأن يلقى المصير نفسه الذي عرفته الملتمسات التشريعية، التي ظل تفعيلها محدودا لسنوات طويلة.
فقد كشفت تجربة الملتمسات، أن الإقرار الدستوري وسن الإطار القانوني لا يكفيان وحدهما لتحويل الحق إلى ممارسة فعلية، إذ اصطدمت هذه الآلية بتعقيد المساطر وغياب التراكم العملي. وهو ما حاول المشرع تداركه لاحقا عبر تعديل القانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم الملتمسات في مجال التشريع، من خلال تخفيض عتبة التوقيعات من 25 ألفا إلى 20 ألف توقيع، وإتاحة “التوقيع الإلكتروني” عبر البوابة الوطنية للمشاركة المواطنة، لتجاوز عوائق الحشد الورقي السابق.
ومع ذلك، بقي هذا الحق قائما في النص أكثر منه في الواقع، الأمر الذي يطرح تساؤل حول مستقبل الدفع بعدم دستورية القوانين، خاصة وأن هذه الآلية، وإن بدت أكثر فعالية من حيث الأثر القانوني، تواجه بدورها تحديات بنيوية مشابهة قد تجعل منها مسارا “نخبويا” يصعب ولوجه على المواطن العادي، ما لم تواكب بضمانات عملية حقيقية.
إن المخاض التشريعي الذي يرافق إخراج القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية، من المشروع الملغى رقم 86.15 إلى المشروع الحالي رقم 35.24، يعكس تخوفا مؤسساتيا واضحا من “سيل” الدفوع التي قد تغرق المحاكم. فبعدما رفضت المحكمة الدستورية، في قرارها المرجعي رقم 18/70، جعل محكمة النقض “مصفاة” موضوعية من شأنها تجزئة الاختصاص الدستوري الحصري، استقر التوجه في المشروع رقم 35.24 على إبقاء دور محوري لمحكمة النقض في “فلترة” الدفوع، حيث أوكل إليها بموجب المادة 9 صلاحية التحقق من جدية الدفع ووجود صلة بين المقتضى المطعون فيه والحق الدستوري المزعوم انتهاكه قبل إحالته للمحكمة الدستورية.
ورغم أن هذا التعديل جاء لتصحيح العيوب التي أسقطت المشروع مرتين، كان آخرها في فبراير 2023 بسبب عيب مسطري يتعلق بعدم عرض النص على المجلس الوزاري، كما ورد في قرار المحكمة الدستورية رقم 207/23، فإن الهاجس التنظيمي لا يزال يلقي بظلاله على تيسير الولوج إلى العدالة الدستورية. إذ إن اشتراط تقديم الدفع عبر مذكرة مستقلة ومعللة وموقعة حصريا من محام مقبول لدى محكمة النقض، وفق مقتضيات المادة الرابعة، يكرس مخاوف “النخبوية”. ويتعزز هذا التخوف مع تحديد آجال قصيرة جدا لتصحيح المسطرة لا تتجاوز أربعة أيام تحت طائلة عدم القبول، وهو أجل يكاد يكون مستحيلا عمليا في ظل تعقيد المسطرة ومتطلبات الدفاع، مما يجعل الولوج إلى العدالة الدستورية عبئا تقنيا وماليا قد لا يقوى عليه المتقاضي البسيط، على نحو يذكر بالعوائق التي أفرغت آلية الملتمسات التشريعية من فعاليتها منذ نشأتها.
ومع ذلك، فإن الاختلاف الجوهري الذي قد ينجي الدفع بعدم الدستورية من مصير الملتمسات يكمن في طبيعة المسار والأثر. فبينما تظل هذه الأخيرة ذات طابع اقتراحي غير ملزم يخضع للسلطة التقديرية للبرلمان، يرتبط الدفع بعدم الدستورية بنزاع قضائي قائم، ويترتب عنه أثر إلغائي مباشر للمقتضى غير الدستوري، وفق ما تنص عليه المادة 27 من المشرع، مما يجعله أداة لتطهير الترسانة القانونية، ولاسيما القوانين الموروثة عن الحقبة السابقة التي لم تعد تتلاءم مع روح الدستور.
بل إن المشروع الجديد ذهب أبعد من ذلك، حين نص في المادة 28 على إمكانية ترتيب آثار قرار المحكمة الدستورية حتى على الأحكام النهائية الصادرة استنادا إلى قوانين ثبت عدم دستوريتها لاحقا. وهو ما يفتح الباب أمام نقاشات حقوقية عميقة حول مسؤولية الدولة عن الخطأ التشريعي وجبر ضرر المتقاضين، وهي النقطة التي أثارها نادي قضاة المغرب في مذكرته الأخيرة.
ومع ذلك، يظل التفاؤل بنجاح هذه الآلية مشروطا بكسب الرهان الحقيقي، وهو ألا يظل الدفع بعدم الدستورية مجرد “حق في الدستور”، بل أن يتحول إلى “الدستور كحق” يمارسه المواطن بوعي كامل. فالرهان اليوم لا يكمن فقط في هندسة المساطر، بل في ضمان أن يكون المواطن على وعي كاف بالحقوق والحريات التي يتمتع بها، وبقدرته على الاشتباه في عدم دستورية القوانين التي تطبق عليه أثناء التقاضي.
فمن دون ترسيخ ثقافة دستورية ستظل أبواب المحكمة الدستورية مغلقة فعليا رغم انفتاحها القانوني، وسيبقى الفصل 133 نصا ساكنا ينتظر من يفك أسره. إن نجاح هذا الورش رهين بتوفر إرادة حقيقية ويقظة حقوقية تجعل من المتقاضي شريكا فعليا في حماية الوثيقة الدستورية، لا مجرد مستفيد نظري من أحكامها، حتى لا تتكرر مفارقة “الحقوق الدستورية المؤجلة”، وتتحول العدالة الدستورية إلى ممارسة فعلية ذات أثر ملموس.






