قضايا

رمضان… السوق والسلوك

مع اقتراب شهر رمضان من كل سنة، تتحرك الآلة الإدارية بهدوئها المنظم.
اجتماعات تعقد، لجان تفعل، أسعار تراقب، وسلاسل تموين تتتبع.
الإدارة، في هذا المستوى، تقوم بما يجب عليها: حماية السوق من الارتباك، مع ضمان وفرة المواد الأساسية، والتصدي لبعض أشكال المضاربة. وهذا جهد مشروع، بل ضروري، والإدارة حين تنهض به إنما تؤدي وظيفتها الطبيعية بكل جدية.
غير أن المشهد يتكرر كل عام بالوتيرة نفسها، وكأن رمضان حدث استثنائي، مع أن حجم الساكنة معروف، وساعات الأكل تتقلص ولا تتضاعف.
ومع ذلك، يرتفع منسوب الشراء، وتتسع عربات الأسواق، وتزداد الكميات المقتناة، ويصبح الاستهلاك نفسه سلوكا موسميا له منطقه الخاص.
رمضان في أصله تجربة روحية تقوم على تقليص الرغبة، وتهذيب العادة، وإعادة ترتيب العلاقة بالجسد وبالمادة. لكن ما يحدث في الواقع هو مفارقة لم تعد صامتة لان شهر الصيام يتحول، عندنا، إلى موسم تكديس.ليس لأن الحاجة تضاعفت، بل لأن الإحساس بالحاجة تغير.
وعلم الاجتماع يميز بين الحاجة والرغبة.
الحاجة محدودة بحدود الجسد، أما الرغبة فمفتوحة على الرمزية.
وفي رمضان، لا نشتري فقط لنأكل، بل لنطمئن، ولنحافظ على صورة اجتماعية معينة، ولنثبت لأنفسنا أن المائدة عامرة كما ينبغي.
وبالتالي، يتحول الطعام إلى لغة، والمائدة إلى خطاب، والاستهلاك إلى طقس جماعي.
ولعل المؤشر الأكثر دلالة لا يوجد في المبيعات فقط، بل في النفايات.
ارتفاع كمية القمامة خلال رمضان ليس تفصيلا تقنيا، بل علامة ثقافية واضحة: نحن لا نستهلك بقدر ما نهدر.
والهدر، في معناه العميق، ليس خللا اقتصاديا فحسب، بل خلل في تمثلنا للقيمة.
وقد تنبه ابن خلدون منذ قرون إلى أن الترف إذا استحكم في العمران غير موازينه واضعف تماسكه.
فحين تنتقل الجماعة من حد الكفاية إلى منطق المبالغة، تتحول الكثرة إلى معيار للقيمة، ويغدو الاستهلاك عادة راسخة لا ضرورة عابرة.
ما نراه اليوم ليس مشكل تموين، بل تحول في المعايير.
في المجتمعات التقليدية، كان الكرم مرتبطا بالمشاركة، اما اليوم فقد صار مرتبطا بالكثرة.
وما بين المشاركة والكثرة مسافة اجتماعية دقيقةفالاولى تعبير عن تضامن، والثانية قد تكون تعبيرا عن قلق.
وهنا تتضح حدود المقاربة الادارية.
لقد نجحت في ضبط السوق، لكنها لا تستطيع اعادة تشكيل المخيال الاجتماعي.
توفقت في توفير العرض، لكنها لا تملك مفاتيح تهذيب الطلب.
من هنا، يصبح دور الفاعلين الاخرين حاسما.
الاعلام لا ينبغي ان يحصر رمضان في برامج الطهي ومسابقات الوصفات، بل ان يفتح نقاشا هادئا حول ثقافة الاستهلاك.
الجامعة مدعوة الى قراءة هذه الظاهرة بوصفها موضوعا علميا جديا، نفسيا وسوسيولوجيا وانثروبولوجيا، لان انماط الاستهلاك تكشف عن تحولات عميقة في البنية الاجتماعية وفي علاقة المجتمع بذاته.
اما الخطاب الديني، فمهمته ان يعيد التذكير بان الصوم ليس فقط امتناعا عن الطعام، بل تربية واختبارا لقدرتنا على الضبط.
واذا كانت الادارة قد اجتهدت في حماية السوق، فان المجتمع، من خلال نخبه، مطالب بان يقوم بما عليه في حماية القيم.
وبين سوق مضبوط وسلوك منفلت،
يختل التوازن .
ورمضان مبارك سعيد وشهية طيبة
عبد الرفيع حمضي