في المجلد الثاني من مؤلفه "المغرب المجهول" (Le Maroc inconnu)، واصل أوغست مولييراس (Auguste Mouliéras) رصده لمنطقة "جبالة" (Djebala) بشمال المملكة المغربية، منتقلاً من الوصف الجغرافي إلى تحليل البناء المؤسساتي والروحي الذي يربط القبائل بالسلطة المركزية.
لقد واجه مولييراس (Mouliéras)، في تقريره الاستخباراتي الموجه لوزارة الحرب الفرنسية، نظاماً سياسياً تمثله الإمبراطورية المغربية، حيث تشكل القبيلة وحدة عضوية متلاحمة تحت السيادة الروحية والزمنية لسلطان المغرب بصفته أميراً للمؤمنين.
وتبرز في هذا المجلد قبائل "بني مسارة" (Beni-Messara) و"الأخماس" (Lékhmas) و"رهونة" (Rehouna) و"مصمودة" (Meçmouda)، كنموذج للمؤسسة القبلية الفاعلة المرتبطة بالدولة. وهو ما جعل مولييراس (Mouliéras) يصف في الصفحة 455 تضاريس هذه القبائل بأنها عبارة عن حصون، وركز على تضاريس قبيلة "بني مسارة" التي قال عنها إنها "حصون طبيعية للمساريين المشاكسين" (citadelles naturelles des turbulents Messariens).
ويتجاوز مولييراس (Mouliéras) في خاتمة هذا المجلد الوصف الميداني ليغوص في تحليل بنية المقاومة لدى المغاربة، محاولاً فهم الروابط التي تجعل المجتمع المغربي حريصاً على مرجعياته التاريخية والروحية في مواجهة المشاريع الاستعمارية. فقد رأى في "النخبة العالمة" من طلبة فاس (Fas) وجبالة حراساً لهذا الوعي السيادي، معتبراً أن المواجهة مع المغرب تتجاوز الجانب العسكري إلى صراع إرادات بين مشروع فرنسي وبين مجتمع متمسك بنظامه السياسي.
إن ذاك الثبات أمام الضغوط الخارجية هو ما دفع مولييراس (Mouliéras) للاعتراف بصعوبة المهمة الاستخباراتية في الصفحة 782، مؤكداً أن السيادة المغربية مرتبطة بشعور عميق بالانتماء لدار الإسلام تحت راية السلطان، وهو ما عبر عنه عند حديثه عن صمود المملكة قائلاً:
"Certes, le glas funèbre, le glas de la mort toujours prochaine du royaume des Chérif a retenti mille fois en Europe... et pourtant le Maroc est encore debout. À notre activité fébrile, à notre idéal moral et social, il oppose l'entêtement formidable et calculé de son aveuglement religieux، sa volonté bien arrêtée de ne subir aucune nouvelle évolution، aucune lumière venant du dehors."
(بالتأكيد، لقد دق ناقوس الموت المرتقب للمملكة الشريفة ألف مرة في أوروبا... ومع ذلك، لا يزال المغرب قائماً وواقفاً. إنه يعارض نشاطنا المحموم، ومثلنا الأخلاقية والاجتماعية، بعناد هائل ومدروس نابع من تمسكه الديني، وبإرادته الحازمة في عدم الخضوع لأي تطور جديد أو لأي نور آتٍ من الخارج).
إن هذا الاعتراف الصريح من قبل أوغست مولييراس (Auguste Mouliéras) يكشف كيف كانت تنظر فرنسا الاستعمارية إلى الإمبراطورية المغربية في نهاية القرن التاسع عشر بكونها إمبراطورية تمتلك نخبة متعلمة وقبائل مرتبطة بالمركز، وتحتكم إلى سيادة روحية وزمنية موحدة. وبذلك فإن تقارير مولييراس (Mouliéras) وثيقة تاريخية تثبت عراقة المؤسسات المغربية وقدرتها على الممانعة، مما جعل مشروع الاختراق عملية معقدة استلزمت عقوداً من التخطيط لمحاصرة هذا الوعي السيادي المتجذر.
◾️المرجعية التوثيقية للحلقة 15:
▪️المصدر الأساسي: كتاب "المغرب المجهول" (Le Maroc inconnu)، الجزء الثاني: "استكشاف جبالة" (Exploration des Djebala).
▪️المؤلف: أوغست مولييراس (Auguste Mouliéras)، أستاذ اللغة العربية بمدارس وهران، ومكلف بمهمة استخباراتية من وزارة الحرب الفرنسية.
▪️سنة النشر: 1899 (الطبعة الأصلية - باريس/الجزائر).
▪️الصفحات المعتمدة في هذه الحلقة:
- ️الصفحة 455: وتتضمن الوصف الجغرافي والسياسي لقبائل "بني مسارة" (Beni-Messara)، "الأخماس" (Lékhmas)، "رهونة" (Rehouna)، و"مصمودة" (Meçmouda)، وتوصيف تضاريسها كحصون سيادية.
- الصفحة 782: وتتضمن نص "الخاتمة" (Conclusion) التي يعترف فيها المؤلف بصمود الإمبراطورية المغربية (le Maroc est encore debout) وعجز الوسائل العسكرية التقليدية عن كسر إرادتها السيادية والروحية.








