في المغرب، هناك من يبحث عن النفط… وهناك من سيستثمر فيه… وهناك من يدفع ثمنه. وبين هؤلاء الثلاثة توجد قصة أكبر بكثير من ثمن اللتر الذي يظهر لنا على شاشة محطة الوقود.
تجاوز الغازوال 16 درهماً للتر في عدد من المحطات مع بداية أكتوبر، بعد زيادة جديدة بحوالي 80 سنتيماً للتر. وفي الخلفية معادلة تستحق أن تُقرأ بهدوء: لاسامير متوقفة عن التكرير منذ 2015، والمغرب يعتمد بدرجة كبيرة على واردات المنتجات النفطية المكررة، وفي الوقت نفسه يتوسع التنقيب عن النفط
والغاز في البر والبحر.
المواطن يرى السعر عند المضخة؛ لكن القصة الحقيقية تبدأ قبلها
بكثير.......
في يناير 2026، وقعت ONHYM اتفاقاً مع Murphy Morocco Oil، التابعة 100% لشركة Murphy Oil الأمريكية، لعشرة تراخيص للاستكشاف في منطقة Gharb Deep Offshore بمساحة تقارب 16,990 كلم².
وهنا يجب أن نتوقف عند كلمة واحدة: التنقيب.
التنقيب ليس استخراجاً، والرخصة ليست نفطاً. وإذا تحول الاستكشاف إلى إنتاج تجاري، فالنظام المغربي ينص على مشاركة للدولة يمكن أن تصل إلى 25% في المشروع، وعلى إتاوات تتراوح بين 7 و10% للنفط و3.5 و5% للغاز بحسب موقع الحقل. كما ينص الإطار القانوني على إعفاء من الضريبة على الشركات لمدة عشر سنوات من بداية الإنتاج المنتظم، وإعفاءات جمركية
وضريبية أخرى.
وهنا بقى.بالظبط.... ينجلي المُستخبّي.(بالضبط)
25% لا تعني أن الدولة ستحصل على 25% من قيمة كل برميل. إنها حصة مشاركة في المشروع، لها حقوقها وتكاليفها. والإتاوة تُحتسب وفق النظام المعمول به، والضريبة لها شروطها وإعفاءاتها.
لذلك، عندما نسمع غداً عبارة «المغرب وجد النفط»، لا ينبغي أن نقفز مباشرة إلى حساب الثروة في باطن الأرض والبحر؛ علينا أن نحسب ما سيبقى فعلاً في المغرب بعد تكاليف الاستثمار، والإتاوات، ....
والضرائب، وحصص الشركاء، وكل حلقات السلسلة.
ومن سيستفيد؟
المستثمر الدولي يدخل برأس المال والخبرة ويتحمل مخاطر الاستكشاف، وفي حال نجاح المشروع يحصل على حقوقه وفق
العقد والإطار القانوني.
لكن النفط لا ينتقل من البئر إلى خزان السيارة مباشرة.....
بينهما سلسلة كاملة: الاستخراج، والتخزين، والنقل، والتكرير،
والاستيراد، والتوزيع.
وهنا توجد قيمة اقتصادية أخرى: من يملك هذه الحلقات؟ من يحصل على الهامش في كل واحدة منها؟ وكم من هذه القيمة يبقى داخل المغرب؟
الدولة لها حصة محتملة في المشروع، وإتاوات وضرائب وفق الشروط القانونية، إضافة إلى الاستثمار والنشاط الاقتصادي الذي يمكن أن يولده القطاع.
أما المواطن، فلا يملك رخصة تنقيب، ولا حصة في الحقل، ولا
خزانات التخزين، ولا شبكة التوزيع.
لكنه يدفع اليوم 16 درهماً للتر.
وهنا تصبح المسألة أكبر من سؤال: هل سنجد النفط؟
إذا وجدناه، كم ستبقى من قيمته داخل المغرب؟ هل سيتحول إلى صناعة وتكرير وتخزين وقيمة مضافة وفرص شغل وطاقة أكثر أمناً؟ أم سنستخرج الخام، ثم نعود إلى السوق الخارجية لنشتري جزءاً من القيمة التي كان يمكن أن نصنعها هنا؟
لأن امتلاك المورد شيء، وامتلاك القيمة الاقتصادية للمورد شيء آخر تماماً......
قد يخرج النفط من أعماق أرضنا وبحرنا، لكن الثروة لن تكون لنا إلا إذا بقيت قيمتها في بلدنا، وإلا سنكون قد امتلكنا البئر… وتركنا البرميل لمن يملك الطريق إليه.
اتقفل المزاد.






