تتناول هذه الورقة مدى استجابة التصريح الحكومي للولاية 2026–2031 لمطالب الفاعلين الصحيين والنقابيين والحقوقيين، كما وردت في النقاش العمومي حول إصلاح الصحة العمومية وتعميم الحماية الاجتماعية، وتضع هذه الالتزامات في ضوء الرهانات المنتظرة من مشروع قانون مالية 2027.
وتنطلق الورقة من فرضية أساسية مفادها أن تعميم التغطية الصحية لا يضمن، بمفرده، الحق الفعلي في العلاج؛ إذ يتطلب هذا الحق عرضاً صحياً كافياً، وموارد بشرية موزعة بعدالة، وأدوية متوفرة، وآجال انتظار معقولة، وحماية الأسر من النفقات الصحية التي قد تحول دون حصولها على العلاج.
تكشف المقارنة أن التصريح الحكومي يتضمن التزامات ذات صلة مباشرة بالصحة، أبرزها الانتقال إلى الولوج الفعلي والعادل والمستمر إلى الخدمات الصحية، ومعالجة الخصاص الترابي، وتعزيز الموارد البشرية، وإصلاح مسار العلاج والاستعجالات، وإرساء منظومة وطنية موحدة للمعلومات الصحية. كما يتضمن تدابير اجتماعية أكثر تحديداً من حيث الأرقام، ولا سيما رفع الدعم الاجتماعي المباشر تدريجياً من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية، والرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، إلى جانب تدابير أخرى تتعلق بمعاش الأرملة والتعويض عن فقدان الشغل.
غير أن الالتزامات الصحية، رغم أهميتها، لا تزال في معظمها عامة من حيث الأهداف الكمية والآجال والموارد المالية. فلم يحدد التصريح، في المحاور الصحية المعروضة، هدفاً رقمياً لتقليص آجال الانتظار، أو جدولاً زمنياً لمعالجة الخصاص في الأطباء والممرضين والتخصصات، أو مؤشرات لقياس توفر الأدوية الأساسية، أو هدفاً لتقليص النفقات الصحية المباشرة للأسر. كما لم يقدم التزامات تنفيذية مفصلة بشأن الصحة النفسية والتأهيل والتكفل بضحايا العنف والتعذيب.
وعليه، لا تسمح القراءة الحالية بالحكم على النتائج النهائية للبرنامج الحكومي، لكنها تبرز الحاجة إلى استكمال الالتزامات المعلنة بأهداف قابلة للقياس، وآجال واضحة، واعتمادات مالية معلنة، وآليات للتنسيق والمساءلة.
وتقترح الورقة أن يشكل مشروع قانون مالية 2027 أول اختبار عملي لهذه الالتزامات، من خلال فحص ميزانية الصحة وتوزيعها بين التسيير والاستثمار، والمناصب المالية المخصصة للقطاع، وتمويل الأدوية والتجهيزات والصيانة، والموارد الموجهة إلى تقليص الفوارق المجالية، ومدى انعكاس الإصلاح على كلفة العلاج التي تتحملها الأسر.
مقدمة: من إعلان الحقوق إلى قياس النتائج
يشكل تقديم البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان مناسبة لتحديد الالتزامات السياسية والاجتماعية التي ستُحاسَب الحكومة على تنفيذها خلال الولاية 2026–2031. وتكتسب هذه المحطة أهمية خاصة في مجال الصحة والحماية الاجتماعية، بالنظر إلى ما ينتظره المواطنون من تحسين ملموس في خدمات المستشفيات العمومية، وتيسير الحصول على العلاج، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتخفيف الأعباء المالية التي تتحملها الأسر.
لقد وضعت مطالب الفاعلين الصحيين والنقابيين والجمعيات الحقوقية، كما عرضنا في مقالات سابقة، سؤال الحق في الصحة في صلب النقاش العمومي: هل يكفي توسيع التغطية الصحية، أم ينبغي الانتقال إلى ضمان علاج متاح وذي جودة، في الوقت المناسب، وبكلفة لا تثقل كاهل المريض وأسرته؟
وفي مقالنا المنشور بتاريخ 17 أكتوبر 2026، تحت عنوان «قانون مالية 2027 والصحة العمومية.. هل تنجح حكومة المنصوري في تحويل التغطية الصحية إلى حق فعلي في العلاج؟»، أكدنا أن الامتحان الحقيقي لا يكمن في إعلان النوايا، بل في ترجمتها إلى موارد مالية وموارد بشرية وخدمات قابلة للقياس والتقييم.
واليوم، بعد تقديم البرنامج الحكومي، أصبح بالإمكان الانتقال من عرض الانتظارات إلى فحص الالتزامات المعلنة: ما الذي استجابت له الحكومة؟ وما الذي بقي عاماً أو مؤجلاً؟ وما الذي ينبغي أن نطالب بتوضيحه في مشروع قانون مالية 2027 والبرامج القطاعية؟
تقوم هذه القراءة على التمييز بين ثلاثة مستويات: الالتزام السياسي المعلن، والوسائل المالية والمؤسساتية اللازمة لتنفيذه، والنتائج التي ينبغي أن يلمسها المواطن. فهذه المستويات مترابطة، لكنها ليست شيئاً واحداً.
أولاً: الاعتراف بأولوية الصحة العمومية… خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق
من أبرز ما ورد في التصريح الحكومي الإقرار بأن تحسين المدرسة والمستشفى العموميين وتقليص الفوارق المجالية من بين الانتظارات الأساسية للمغاربة. كما أعلن البرنامج الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن التركيز على حجم الاستثمار إلى مردوديته وأثره الفعلي.
هذا التحول في الخطاب يستحق التوقف عنده، لأنه يقترب من جوهر المقاربة الحقوقية للصحة: لا يُقاس نجاح السياسة العمومية بعدد القوانين أو المشاريع أو المستفيدين المسجلين وحدهم، وإنما بمدى تمتع الناس فعلياً بحقوقهم.
وفي الشق الصحي، حددت رئيسة الحكومة مجموعة من التوجهات الملموسة:
- معالجة الخصاص في العرض الصحي على المستوى الترابي.
- مأسسة مسار العلاج وتنظيم انتقال المريض بين مستويات الرعاية.
- إصلاح استقبال المرضى وتحسين خدمات المستعجلات.
- تعميم الاستفادة من المساعدة الطبية المستعجلة.
- إرساء نظام وطني موحد للمعلومات الصحية.
- مواصلة الإصلاح المؤسساتي للقطاع وتعزيز الخدمة الصحية العمومية.
- تطوير الموارد البشرية والاهتمام بالوظيفة العمومية الصحية.
- ضمان الولوج الفعلي والعادل والمستمر إلى خدمات صحية ذات جودة.
تضع هذه الالتزامات عدداً من الملفات الأساسية ضمن أولويات الحكومة. غير أن التصريح، في صيغته المعلنة، لا يحدد أهدافاً رقمية وآجالاً تنفيذية خاصة بكل واحد منها. ولذلك فإن قيمتها العملية ستتوقف على ما ستترجمه إليه الحكومة من برامج وتمويلات وتعاقدات ومؤشرات للتتبع.
فالإعلان عن معالجة الخصاص الترابي، مثلاً، لا يجيب بعد عن الأسئلة التي تهم سكان المناطق البعيدة: كم من طبيب إضافي؟ وكم من اختصاص مطلوب؟ وما أجل توفيره؟ وكيف ستُضمن استمرارية الخدمة؟ وبالمثل، فإن تحسين الاستعجالات لا يصبح التزاماً قابلاً للتقييم إلا عندما تُحدد معايير زمن التكفل، وتوفر التجهيزات والأدوية، والموارد البشرية اللازمة.
الفرق الجوهري هنا هو بين الاعتراف بالمشكلة وتحديد النتائج المنتظرة من معالجتها.
ثانياً: ماذا تحقق في الاستجابة لمطالب الفاعلين الصحيين والحقوقيين؟
عند مقارنة مطالب المقالين السابقين بمضامين البرنامج الحكومي، يمكن التمييز بين التزامات واضحة من حيث الاتجاه، وملفات حظيت بإشارات عامة، وقضايا لم يخصص لها التصريح جواباً محدداً.
1. من التغطية الصحية إلى الولوج الفعلي للعلاج
يمثل هذا المحور أوضح نقاط التقاطع بين مطالب الفاعلين والتوجه الحكومي. فالتصريح لا يكتفي بالحديث عن التغطية، بل يعلن الانتقال إلى ولوج فعلي وعادل ومستمر إلى خدمات صحية ذات جودة.
لكن هذا الالتزام يحتاج إلى مؤشرات تبيّن مدى تحققه: نسبة المرضى الذين يحصلون على العلاج فعلياً، وآجال المواعيد والفحوصات والعمليات، ومدى توفر الأدوية، ونسبة الأشخاص الذين يضطرون إلى تأجيل العلاج بسبب الكلفة أو البعد الجغرافي.
2. تعزيز المستشفى العمومي والموارد البشرية
تتعهد الحكومة بتعزيز الخدمة الصحية العمومية وتطوير الموارد البشرية والاهتمام بالوظيفة العمومية الصحية. وهذا يتقاطع مع مطالب النقابات والمهنيين بشأن معالجة الخصاص وتحسين ظروف العمل والتوزيع العادل للأطر.
غير أن البرنامج لم يحدد، في الالتزامات الصحية المعروضة، العدد السنوي للمناصب المالية، ولا الأهداف الجهوية لتوزيع الأطباء والممرضين والتخصصات، ولا برنامجاً زمنياً مفصلاً للتكوين والاستبقاء المهني.
كما أن تعزيز المستشفى العمومي لا يتحقق بالبناء والتجهيز وحدهما؛ بل يحتاج إلى تمويل كافٍ للتسيير والصيانة، وإلى أطر مستقرة، وأدوية متاحة، وحكامة واضحة للمؤسسات.
3. الفوارق المجالية في العرض الصحي
أقر التصريح صراحة بضرورة معالجة الخصاص الترابي. وهذا مهم بالنظر إلى أن الحق في الصحة لا ينبغي أن يتوقف على مكان الإقامة أو القدرة على التنقل إلى المدن الكبرى.
لكن الانتقال إلى التنفيذ يتطلب خريطة وطنية للحاجيات الصحية، مصنفة حسب الجهات والأقاليم والتخصصات، وأهدافاً زمنية لتقليص الفوارق، وآليات لتتبع توزيع الموارد والاستثمارات.
ولا ينبغي أن تظل التنمية الترابية منفصلة عن التخطيط الصحي؛ فالمستشفى المحلي ومراكز الرعاية الأولية والنقل الصحي والإسعاف والتخصصات الطبية عناصر متكاملة في خدمة المواطن.
4. الأدوية والكلفة وآجال الانتظار
هذه هي إحدى أبرز الثغرات التي ينبغي أن تستدركها البرامج التنفيذية. فلم يحدد التصريح الصحي التزامات رقمية تتعلق بتوفر الأدوية الأساسية، أو تقليص آجال المواعيد والعمليات الجراحية، أو الحد من النفقات الصحية المباشرة للأسر، أو تحسين شفافية الفوترة والتعريفات.
وهذه ليست مسائل تقنية هامشية؛ إنها في صميم التجربة اليومية للمريض. فقد يكون الشخص مشمولاً بالتأمين الإجباري عن المرض، لكنه يواجه صعوبة في الحصول على موعد، أو يجد الدواء غير متوفر، أو يتحمل نفقات إضافية لا يستطيع أداءها.
وفي هذا السياق، يكتسب النقاش حول تنظيم الأسواق الصحية والمنافسة أهمية خاصة، في ضوء ما أثير في المؤتمر الدولي بمراكش حول المنافسة والتنظيم والحكامة في عصر التغطية الاجتماعية الشاملة. فتنظيم السوق الصحية ينبغي أن يوازن بين الاستثمار والابتكار من جهة، وحماية المريض وضمان شفافية الأسعار وجودة الخدمات واستدامة التمويل الصحي من جهة أخرى.
ولا يكفي الحديث العام عن المنافسة ومحاربة الاحتكار؛ بل ينبغي توضيح كيفية تطبيق هذه المبادئ على الأدوية والمستلزمات الطبية والخدمات الصحية، مع ضمان تكامل منظم بين القطاعين العام والخاص، وعدم تحويل التغطية الصحية إلى مجرد قناة لتمويل نفقات متزايدة دون تحسن متناسب في الخدمة.
5. الصحة النفسية والتأهيل والتكفل بضحايا العنف
لم يتضمن التصريح التزاماً محدداً بشأن الصحة النفسية أو التأهيل النفسي والطبي أو خدمات التكفل بضحايا العنف والتعذيب. وقد وردت التزامات ذات صلة بالحماية الاجتماعية، ومحاربة العنف ضد النساء، وحماية الأشخاص في وضعية إعاقة، لكنها لا تعوض وجود سياسة صحية واضحة في هذه المجالات.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يحتاجون إلى مواكبة طويلة الأمد، وإلى التنسيق بين الخدمات الطبية والنفسية والاجتماعية والقانونية.
ومن ثم، فإن المطلوب هو إدراج الصحة النفسية والتأهيل ضمن أولويات الصحة العمومية، وتحديد الخدمات والموارد والأهداف اللازمة لضمان الاستمرارية والجودة، بدل تركها ضمن مجالات لا تظهر بوضوح في الالتزامات الصحية المعلنة.
ثالثاً: الحماية الاجتماعية… التزامات أكثر تحديداً من تلك المتعلقة بالعلاج
يتضمن البرنامج الحكومي التزامات اجتماعية تتعلق بالدعم المباشر والتقاعد والتعويض عن فقدان الشغل، وهي ملفات لها أثر مباشر على دخل الأسر وأمنها الاجتماعي.
ومن أبرز ما أُعلن:
- إعادة استهداف المستفيدين من الدعم الاجتماعي المباشر على أساس الدخل الفعلي للأسر.
- رفع قيمة الدعم من 500 إلى 1000 درهم بحلول نهاية الولاية الحكومية.
- إحداث تعويض اجتماعي تلقائي للأسر المستحقة يعادل فاتورة الكهرباء الشهرية، في حدود 100 درهم، بالنسبة إلى السكن الرئيسي.
- توسيع الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل.
- إصلاح شامل لمنظومة التقاعد، مع توسيع الحماية لتشمل أشخاصاً لا يتوفرون على معاش.
- الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم شهرياً.
- رفع معاش الأرملة من 50% إلى 100% من المعاش الأساسي للزوج المتوفى، مع الحفاظ على حقوق الأيتام وباقي المستفيدين.
تتميز هذه الالتزامات بوجود أرقام أو اتجاهات محددة أكثر مما هو متاح في المحور الصحي. ومع ذلك، تختلف درجة قابليتها للتتبع: فرفع الدعم إلى 1000 درهم مرتبط بأفق نهاية الولاية، بينما تحتاج تدابير أخرى إلى تحديد موعد بدء التنفيذ ومراحله وشروط الاستفادة ومصادر التمويل.
ويظل ضرورياً التمييز بين الحماية الاجتماعية بوصفها دعماً للدخل، والحماية من المخاطر الصحية بوصفها ضماناً للولوج إلى العلاج. فرفع دخل الأسرة قد يساعدها على مواجهة بعض الأعباء، لكنه لا يعوض توفر الدواء أو الطبيب أو سرير المستشفى، ولا يضمن وحده تقليص ما تدفعه الأسرة من مالها الخاص مقابل العلاج.
لذلك، ينبغي تقييم محوري الدعم الاجتماعي والصحة معاً، ولكن بمؤشرات مختلفة ومتكاملة: مستوى الدخل والحماية من الهشاشة من جهة، والولوج الفعلي إلى الخدمات الصحية وكلفتها وجودتها من جهة أخرى.
رابعاً: الورش الملكي للحماية الاجتماعية… استكمال التغطية أم ضمان أثرها؟
يشكل القانون-الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية مرجعاً أساسياً لهذا النقاش. فقد وضع برنامجاً لتوسيع التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وتعميم التعويضات العائلية، وتوسيع الانخراط في أنظمة التقاعد، وتعميم التعويض عن فقدان الشغل، وفق أجندة زمنية امتدت بين 2021 و2025.
ومع الانتقال إلى ولاية حكومية جديدة، لم يعد السؤال مقتصراً على استكمال توسيع التغطية، بل أصبح يتعلق كذلك بجودة الخدمات واستدامة الأنظمة وقدرتها على حماية المستفيدين فعلياً.
في التأمين عن المرض، ينسجم إعلان الولوج الفعلي والعادل والمستمر إلى العلاج مع روح الورش، لكنه يحتاج إلى وسائل واضحة: عرض صحي كافٍ، وموارد بشرية، وأدوية، ومؤسسات مجهزة، ونظام إحالة وعلاج فعال، وآليات للحد من النفقات التي تعيق العلاج.
وفي الدعم الاجتماعي والتقاعد، تتضمن الالتزامات المعلنة أرقاماً أكثر تحديداً، لكنها تظل بدورها بحاجة إلى جداول زمنية واعتمادات وشروط واضحة للتنفيذ.
أما التعويض عن فقدان الشغل، فإن توسيع الاستفادة منه يحتاج إلى تحديد الفئات المعنية، وشروط الاستحقاق، وعدد المستفيدين المستهدف، والموارد المخصصة لذلك.
ومن جهة أخرى، ينبغي نشر حصيلة قابلة للتحقق عن تنفيذ مراحل القانون-الإطار السابقة: عدد المستفيدين الفعليين، ومدى انتظام انخراطهم، ومستوى الاستفادة من الخدمات، والاختلالات التي لا تزال قائمة. فالتقييم الجاد للمرحلة الجديدة يحتاج إلى خط أساس واضح، لا إلى الاكتفاء بتجديد الأهداف العامة.
خامساً: قانون مالية 2027 هو الاختبار الأول لترجمة الالتزامات
لا يمكن الحكم على مدى استجابة مشروع قانون مالية 2027 لمطالب الفاعلين الصحيين والحقوقيين قبل الاطلاع على تفاصيل الاعتمادات المالية وتوزيعها. فالتصريح الحكومي يحدد التوجهات والالتزامات السياسية، بينما يوضح قانون المالية الوسائل التي ستُعبّأ لتنفيذها.
ولهذا، ينبغي أن ينصب النقاش حول مشروع القانون على أسئلة محددة:
1. ما حجم الاعتمادات المخصصة للصحة، وما حصتها من الميزانية العامة؟ وكيف تتوزع بين التسيير والاستثمار؟
2. كم منصباً مالياً سيُخصص للأطباء والممرضين وباقي الأطر الصحية؟ وكيف ستوزع المناصب بين الجهات والتخصصات؟
3. ما الاعتمادات المخصصة للأدوية والمستلزمات الطبية والتجهيز والصيانة، بما يضمن استمرارية الخدمات؟
4. ما الموارد المخصصة لتقليص الخصاص الترابي وتطوير الرعاية الأولية والاستعجالات والمساعدة الطبية المستعجلة؟
5. ما الإجراءات المالية والتنظيمية التي ستحد من النفقات المباشرة للأسر وتحسن قدرتها على الحصول على العلاج؟
6. كيف ستُموّل منظومة المعلومات الصحية الوطنية الموحدة، وما الجدول الزمني لإطلاقها، وما ضمانات حماية المعطيات الصحية؟
7. ما الموارد المخصصة للصحة النفسية والتأهيل والتكفل بالفئات التي تحتاج إلى رعاية مستمرة؟
8. كيف ستُترجم التزامات الدعم الاجتماعي والتقاعد والتعويض عن فقدان الشغل إلى اعتمادات ومراحل تنفيذ قابلة للتتبع؟
إن تخصيص الموارد شرط أساسي، لكنه ليس كافياً وحده. فالمطلوب أيضاً توضيح العلاقة بين الاعتمادات والنتائج المنتظرة، حتى لا يتحول تقييم الأداء إلى مجرد مقارنة بين المبالغ المصروفة والمبالغ المرصودة، دون قياس أثرها على المرضى والأسر.
سادساً: من كفاءة المسؤولين إلى قدرة المؤسسات على التنفيذ
في مقاله «الفرص التي قد لا تتكرر… وامتحان الحكومة التي تستحقها»، يطرح الأستاذ بنشماش سؤالاً يرتبط بقدرة المؤسسات على تحويل الفرص والمشاريع إلى نتائج ملموسة، ويؤكد أهمية سرعة التنفيذ والتنسيق وتجاوز التعثرات الإدارية.
ويمكن استحضار هذا السؤال في المجال الصحي دون اختزال الإصلاح في الأشخاص أو الاكتفاء بتقييم السير الذاتية. فنجاح السياسة الصحية يحتاج إلى قيادة قادرة على تحديد الأولويات، وتنسيق عمل القطاعات، وحل مشكلات التنفيذ، وربط المسؤولية بالنتائج.
كما يحتاج إلى مؤسسات واضحة الاختصاصات، وميزانيات متناسبة مع الأهداف، ومعطيات موثوقة، ومساءلة دورية، وتعاون فعلي بين المستوى المركزي والجهوي والمحلي.
فالسياسة الصحية لا تقع على عاتق وزارة الصحة وحدها. إذ تتدخل فيها وزارة الاقتصاد والمالية من خلال التمويل والاستدامة، وقطاعات التعليم العالي والتكوين من خلال إعداد الأطر، وقطاع التشغيل من خلال ظروف العمل والحماية الاجتماعية، والسلطات الترابية من خلال التخطيط وتوزيع الخدمات، والقطاعات المعنية بالصناعة والرقمنة من خلال الأدوية والتجهيزات ونظم المعلومات.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى آلية حكومية واضحة لتنسيق تنفيذ الالتزامات الصحية، مع تحديد مسؤوليات كل قطاع، والنتائج المنتظرة منه، وآجال الإنجاز، وآليات رفع التعثرات إلى مستوى رئاسة الحكومة.
سابعاً: مؤشرات ضرورية لتحويل التصريح إلى التزام قابل للمحاسبة
حتى لا تظل الالتزامات الصحية في مستوى التوجهات العامة، يمكن اقتراح اعتماد لوحة وطنية سنوية لمؤشرات الحق في الصحة والحماية الاجتماعية، تنشر نتائجها وتناقش أمام البرلمان، مع تفصيلها حسب الجهات والفئات الاجتماعية حيثما أمكن.
ومن أهم المؤشرات المقترحة:
- آجال الانتظار للحصول على المواعيد والفحوصات والعمليات الجراحية.
- نسبة توفر الأدوية الأساسية في المؤسسات الصحية العمومية.
- عدد الأطباء والممرضين والتخصصات لكل عدد محدد من السكان، حسب الجهة.
- نسبة المؤسسات الصحية التي تتوفر على التجهيزات والموارد الضرورية لتقديم خدماتها.
- آجال التكفل بالحالات الاستعجالية وتغطية التراب الوطني بالمساعدة الطبية المستعجلة.
- حجم النفقات الصحية المباشرة للأسر ونسبة الأشخاص الذين يؤجلون العلاج بسبب الكلفة.
- مستوى الاستفادة الفعلية من التأمين الإجباري عن المرض، وليس التسجيل وحده.
- التقدم المحرز في إرساء منظومة المعلومات الصحية الوطنية الموحدة.
- الموارد والخدمات المخصصة للصحة النفسية والتأهيل.
- عدد الشكايات الصحية وطريقة معالجتها، ومدى نشر نتائج التقييم والتدقيق.
ويجب أن تقترن هذه المؤشرات بأهداف زمنية واقعية، وبمعطيات منشورة بانتظام، وبآلية تشاركية تتيح للمهنيين والنقابات والجمعيات الحقوقية وجمعيات المرضى المساهمة في التتبع والتقييم.
ثامناً: أسئلة ينبغي أن تبقى مفتوحة أمام البرلمان والرأي العام
إن تقديم البرنامج الحكومي ليس نهاية النقاش، بل بدايته. ومن حق البرلمان والمجتمع المدني والمهنيين والمرضى أن يطلبوا توضيح كيفية تنزيل الالتزامات المعلنة.
ومن الأسئلة التي تستحق أن تظل في صلب النقاش العمومي:
- ما الهدف الرقمي الذي تلتزم الحكومة بتحقيقه في تقليص آجال الانتظار؟
- ما الجدول الزمني لتغطية الخصاص في الأطر والتخصصات على المستوى الترابي؟
- كيف ستضمن الحكومة توفر الأدوية الأساسية واستمرارية الخدمات داخل المستشفيات العمومية؟
- هل ستعتمد هدفاً واضحاً لتقليص النفقات الصحية المباشرة للأسر؟
- كيف ستنظم العلاقة بين القطاعين العام والخاص بما يحمي المريض ويضمن الاستدامة المالية للتأمين؟
- ما المكانة التي ستخصصها الحكومة للصحة النفسية والتأهيل والتكفل بضحايا العنف والتعذيب؟
- من سيتولى التنسيق بين القطاعات الحكومية المعنية، وما آلية تتبع التقدم وحل التعثرات؟
- متى ستُنشر تقارير دورية تسمح للمواطنين بمعرفة ما تحقق وما لم يتحقق، وأسباب ذلك؟
هذه الأسئلة لا تفترض غياب الإرادة لدى الحكومة، كما لا تحكم مسبقاً على نتائج لم تتحقق بعد؛ بل تهدف إلى تحويل الالتزامات العامة إلى معايير واضحة يمكن الاحتكام إليها.
خاتمة: الحق في الصحة يُقاس بما يصل إلى المريض
يقدم البرنامج الحكومي 2026–2031 مجموعة من الالتزامات التي تنسجم، في اتجاهها العام، مع مطلب الانتقال من تعميم التغطية الصحية إلى ضمان الولوج الفعلي والعادل إلى العلاج. كما يتضمن تدابير اجتماعية محددة تتعلق بالدعم المباشر والتقاعد والتعويض عن فقدان الشغل، إلى جانب التزامات في العرض الصحي والموارد البشرية والتنظيم والرقمنة.
لكن المقارنة مع مطالب الفاعلين الصحيين والحقوقيين تكشف أن عدداً من القضايا التي تحدد تجربة المريض اليومية لا تزال بحاجة إلى إجابات تنفيذية: الأدوية، وآجال الانتظار، والموارد البشرية بالأرقام، والكلفة التي تتحملها الأسر، والصحة النفسية والتأهيل، ومؤشرات التقييم والمساءلة.
ولا يعني غياب هذه التفاصيل من التصريح أن الحكومة لن تعالجها؛ بل يعني أن الحكم على مدى الاستجابة سيظل معلقاً إلى حين صدور الوثائق التنفيذية، وفي مقدمتها مشروع قانون مالية 2027 والبرامج القطاعية ذات الصلة.
إن الرهان الحقيقي للولاية الجديدة هو الجمع بين الحماية الاجتماعية والعرض الصحي القادر على ضمان الاستفادة الفعلية منها. فالتأمين الذي لا يقود إلى علاج متاح، أو الذي يترك الأسرة تواجه نفقات لا تستطيع تحملها، لا يحقق وحده الغاية الاجتماعية المنشودة.
من الانتظارات إلى الالتزامات، ومن الالتزامات إلى النتائج: هنا يبدأ الاختبار الحقيقي للسياسة الصحية.
والسؤال الذي ينبغي أن يرافق مناقشة قانون مالية 2027 ليس فقط: كم ستخصص الدولة للصحة؟ بل أيضاً: ما النتائج التي سيلمسها المواطن مقابل هذه الموارد، وفي أي أجل، ومن سيتحمل مسؤولية تحقيقها؟
الخلاصة المركزية و الاساسية: يظهر التصريح الحكومي تقارباً في التوجه مع مطالب الانتقال من التغطية الصحية إلى العلاج الفعلي، لكن تحويل هذا التقارب إلى حق ملموس يظل رهيناً بوضوح التمويل، وتحديد الأهداف الزمنية، ونشر المؤشرات، وإشراك المهنيين والنقابات والجمعيات الحقوقية وجمعيات المرضى في التتبع والتقييم.






