تحليل

بعض عناصر الاختلال في الرؤية السياسية للتصريح الحكومي

عبد المطلب اعميار (قيادي بامي سابق)
بعدما تم التبشير بشعار ” الحكومة السياسية” التي من المفروض أن تقود المرحلة الحالية ، يكشف التصريح الحكومي الذي تقدمت به رئيسة الحكومة أمام البرلمان، الاثنين 20 اكتوبر 2026، عن اختلالات واضحة في صياغة المنطلقات والأهداف والمرامي السياسية على مستوى هندسة التصريح، في شكله و في بعض مضامينه وغاياته.


وفي هذه الورقة الأولية سنحاول الكشف عن بعض أوجه القصورالتي اعترت بعض مفاصل هذا التصريح.


1ـ إذا كان التصريح الحكومي في بابه الأول يذكر بشعارات ”تكريس دولة الحق والقانون والمؤسسات” و ”ترسيخ الممارسة الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان والحريات” ( وهو ما يمكن اعتباره مسألة مهمة) ، فإن مضمون التصريح لم يترجم هذا الشعار على مستوى إعلان نوايا سياسية تتعلق أساسا بخلق أجواء انفراج سياسي وحقوقي ، وتيسير شروط تحقق ذلك في المستقبل القريب. وعلى الرغم من أن التصريح يقول ب ”إعادة الثقة في العمل العمومي، وفي الحياة السياسية” إلا أنه لم يتضمن نهائيا أية إشارة تخص ” تحرير المجال الإعلامي” من السلطة السياسية الحكومية، وتقوية أدوار الإعلام كسلطة رابعة ينبغي أن تتمتع بكل شروط الاستقلالية.


2ـ في الحديث عن “العدالة” و ” الأمن القانوني” لم يتطرق التصريح لنوايا الحكومة في مراجعة بعض القوانين التي خلقت توترا مهنيا واجتماعيا، وتيسير شروط الحوار المؤسساتي مع القطاعات المعنية ، ومن ضمنها قانون مهنة المحاماة.


3ـ في إطار الحديث عن “حقوق الإنسان في السياسية العمومية” لم يتطرق التصريح لتصور الحكومة لموضوع السياسية الإعلامية في علاقتها بحقوق الإنسان والحريات.


4ـ يبدو أن إقحام موضوع ” الجهوية” في الباب الأول المتعلق بـ”دولة الحق والقانون والمؤسسات” إقحام تعسفي، ليس فقط على المستوى المنهجي بل أيضا على المستوى السياسي. إذ كان من المفروض أن يخصص لموضوع الجهوية باب مستقل، ليس فقط لأن الموضوع له راهنيته بالنسبة لبلادنا ، بل لأنه موضوع يهم “مستقبل هندسة الدولة” على المستوى الترابي ، والمجالي، والتدبيري. كما يهم أيضا ورش الحكم الذاتي المرتقب كما هو مطروح في الأجندة الوطنية.


5ـ في الحديث عن ورش ”الجهوية المتقدمة” لم يتضمن التصريح أي تصور سياسي للنموذج الديمقراطي الذي ينبغي أن يرافق هذا المشروع . فباستثناء الحديث عن ”مواصلة تنزيل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات” و ”تحديث آليات تنفيذ المشاريع” لم يترجم التصريح أي تصور سياسي في هذا الشأن ، خصوصا فيما يتعلق بورش” اللاتمركز الإداري” الذي ظل هو الآخر موضوعا سطحيا وعرضيا في التصريح الحكومي. ولعله من أبرز نقط ضعفه البارزة.


6ـ من المؤسف ألا يأخذ الملف المتعلق ب” الأشخاص في وضعية إعاقة” المكانة التي يستحقها في باب ”الحق والقانون” وضمن منظور السياسات العمومية. ويتم القذف بهذا الملف الى الباب الثالث المتعلق بـ ”صيانة الهوية والمواطنة وتماسك المجتمع” بإشارة سطحية عارضة.


7ـ في الباب الثاني المتعلق ب ”محاربة الفساد والريع وتخليق الحياة العامة” تم التنصيص على ” تجريم الإثراء غير المشروع” و ”معاقبة تضارب المصالح ” و ”تعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات للحصول على امتيازات”… وهي إجراءات مهمة حتى وان جاءت متأخرة كثيرا عن دستور 2011-، غير أن التصريح لم يتضمن الأجندة التشريعية المرتقبة لتفعيل القوانين ذات الصلة. كما أن التصريح يغفل الإشارة إلى ” محاربة الرشوة” التي يحتل فيها المغرب مراتب سيئة للغاية..هذا دون استحضار حالات الاثراء غير المشروع وتضارب المصالح التي تشوب وضعية بعض الوزراء في الحكومة الحالية.


8ـ في الباب الثالث المتعلق ب ”صيانة الهوية والمواطنة وتماسك المجتمع” تم الحديث عن ” تجديد الشراكة مع المجتمع المدني” دون الحديث عن نية الحكومة في مراجعة قانون المسطرة الجنائية الذي أجهز عن حق المجتمع المدني في التبليغ عن قضايا الفساد وإهدار المال العام.


9ـ الحديث عن ” الولوج إلى الثقافة” لم يتضمن أية إشارة إلى العناصر المؤطرة لنموذج المشروع الثقافي الذي تعتزم الحكومة تنفيذه على مستوى السياسة العمومية ذات الصلة في مختلف المجالات الثقافية.


10ـ الحديث عن ” سياسة دامجة لمغاربة العالم” ظل هو الآخر حديثا عرضيا بدون رؤية سياسية مؤسساتية مؤطرة لأدوات واليات الإدماج والمشاركة الفعلية لمغاربة العالم . اللهم عبارات مكرورة من قبيل ” المشاركة المواطنة، والتواصل الدائم معهم، والاستجابة لحاجياتهم…”


11ـ في الباب الرابع المتعلق ب ” ضمان العيش الكريم وترسيخ الدولة الاجتماعية” تم إقحام ” المنظومة الوطنية للتربية والتعليم” بشكل تعسفي . مما يعكس قصور الرؤية السياسية المؤطرة لهذا الملف، حيث تم إدراجه إلى جانب المواد الغذائية، والحماية الاجتماعية، وإصلاح التقاعد، والعرض الصحي…


وكان لزاما على الحكومة أن تخصص لهذا الملف تبويبا خاصا نظرا لأبعاده الاستراتيجية الكبرى.


وجدير بالذكر، أن التصريح بمواصلة ” تطوير وتعميم نموذج مؤسسات الريادة” تقرره الحكومة دون مستندات واضحة ومعلنة من المفروض أن يتضمنها التصريح على قاعدة التقويم الأولي لهذا النموذج. كما أن التصريح لم يتضمن أية إشارة تتعلق بالرؤية الإصلاحية لهذا القطاع الذي مازال يراكم إخفاقات كبيرة. لعل أبرزها نسبة الهدر المدرسي التي تصل إلى 300 ألف طفل سنويا.


وفي هذا الصدد، أعلن التصريح الحكومي عن هدف” صفر انقطاع عن الدراسة” في أفق 2030 من خلال ما سماه ب ”الرصد المبكر للتلاميذ المهددين بالانقطاع”و ” إعادة الإدماج في التعليم” ، وهي شعارات أعلنتها تصاريح حكومية سابقة دون أية نتيجة.


12ـ في الباب السابع، يشير التصريح الحكومي إلى ” ضبط عجز الميزانية في حدود 3 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي طيلة 2026-2031. وذلك من خلال ما يسميه ب ” توسيع الوعاء الضريبي”.. هذا ا الإجراء يتضمن مخاطر اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة قد تساهم في قتل المقاولات وإضعاف فرص الاستثمار، وإضعاف الاستهلاك الداخلي، وتزايد حدة الاحتقان الاجتماعي.


13ـ يشير البرنامج الحكومي إلى ”وضع الميزانية العمومية في مسار تنازلي” إلى غاية ما يقارب 62 بالمائة بحلول 2031 ، دون أن يقول لنا التصريح الحكومي كيف سيتحقق ذلك؟ وعلى حساب ماذا؟