رياضة

الكرة المغربية.. ما وراء الأسماء

ياسر أزيار (صحفي رياضي)
قبل ساعات قليلة من إسدال الستار رسمياً على مرحلة وليد الركراكي على رأس المنتخب المغربي، وقبل أن يُعلَن عن وهبي خلفاً له، خرج فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مُشدِّداً على أن النجاحات المحققة بفضل الرؤية الملكية ستتواصل، وأن العمل المؤسساتي هو الضامن الحقيقي للاستمرارية - قبل أن يُجمل كل ذلك في جملة واحدة كانت في حقيقتها حقيقة مطلقة: "ما يهم ليس الأسماء، بل المؤسسة.”

لم تكن تلك العبارة مجرد دبلوماسية كلامية في لحظة انتقالية . بل جاءت تشخيصاً دقيقاً لحقيقة يتأخر عالم كرة القدم كثيراً على الاعتراف بها.

عاش الجمهور المغربي أياماً من الضبابية والترقب المشحون، تتقاذفه أسماء كبيرة ومتضاربة - تشافي و ساومباولي وحتى طارق السكيتوي الاسم المحلي الذي حمله البعض على أكتاف الأمل الوطني. كان الجمهور يُعلّق بين خبر وآخر - في انتظار كلمة رسمية لم تأتِ إلا حين اكتملت الصورة كاملة مع ما صرح به فوزي لقجع.

وليد الركراكي لم يكن مجرد ناخب وطني. كان امتداداً طبيعياً لمسيرة بدأت قبله وستستمر بعده. أخذ مجموعة من أكثر الأجيال المغربية موهبةً في التاريخ، وأضاف إليها لمسته في التنظيم والروح الجماعية، فكانت النتيجة ملحمة قطر 2022.

لكن تلك الملحمة لم تُولد من فراغ. هناك برامج تتبعت المواهب المحلية في أوروبا،و هناك فلسفة كروية رسمتها الجامعة على مدار سنوات مبنية على رؤية ملكية متينة- كل هذا كان الأرضية التي وقف عليها الركراكي، ولم يكن هو من وضعها. هذا لا يعني أننا ننكر أكبر نجاح له و هو “تغيير ثقافة شعب بأكمله”. قبله لا أحد كان يحلم و الان صار الجميع يحلم.

تعيين وهبي ليس قراراً عاطفياً، ولا مجازفة في المجهول. الرجل الذي صنع من فريق شاب نجاحا دوليا، هذا الرجل يعرف هذا المنتخب من جذوره. تجربته مع المنتخب الوطني أقل من 20 سنة أولاً، ثم مشواره في بلجيكا، يجعلانه أكثر من مجرد اسم جاهز للواجهة. محمد وهبي يحمل مشروعاً، لا مجرد تعيين عادي.

تاريخ كرة القدم يُعلّمنا أن المدرب الجديد يصل دائماً محمولاً بموجة من التفاؤل. الاختبار الحقيقي يأتي بعدها — حين تعود الأمور إلى طبيعتها، وتظهر الأسئلة الصعبة.

ما لمّح له لقجع في ذلك التصريح هو رسالة طمأنينة للجمهور المغربي: نحن لا ندير منتخباً بالعاطفة، بل بمنطق. الأسماء أدوات في خدمة المشروع، والمشروع أكبر من أي فرد.

كرة القدم لا تزال أسيرة وهم قديم -نظرية الرجل العظيم - ذلك الاعتقاد الراسخ منذ القرن التاسع عشر بأن رجلاً واحداً، بكاريزمته وعبقريته، قادر وحده على تحويل مسار التاريخ وتحديد المصائر. تخلّى المؤرخون عن هذه النظرية منذ عقود، وأثبتوا أن العظماء هم نتاج مؤسساتهم وظروفهم، لا أسبابها. لقجع بتصريحه تخلى عن هذا الوهم.

وفي هذا السياق بالذات، لا يسعنا إلا أن نستحضر ما قاله توني فيرنانديز، المالك السابق لنادي كوينز بارك رينجرز، في عبارة جمعت بين الواقعية والحكمة: "أعتقد أن المدربين يلعبون دوراً كبيراً فعلاً. لكن إن كان لديك لاعبون رديئون، فلا شيء يمكن للمدرب أن يفعله."

المنتخب المغربي الذي راكم هذا الرصيد من الثقة والطموح لم يُبنَ في عهد مدرب واحد، ولن ينهار برحيله. والسؤال الذي يجب أن يشغل الجمهور اليوم ليس من سيخلف الركراكي — بل هل ستكمل المؤسسة السير على الطريق الصحيح؟

إن كانت المؤسسة تسير على الطريق الصحيح، فوهبي سيكون الرجل المناسب في اللحظة المناسبة.