رأي

أحمد فردوس: حكايات الشهامة والقوة واختبار "جَرْ السْطَلْ" للالتحاق بمناجم الفوسفاط باليوسفية

- عرق الجباه في أنفاق مناجم الكنتور:


في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لم يكن الدخول إلى عالم الفوسفاط بمناجم منطقة الكنتور مجرد طلب عمل يُقدَم على ورقة بخط جميل توضع بعناية داخل الظرف، بل كان اختبارا حقيقيا للقوة العضلية والبنية الجسمانية، فضلا عن القدرة والتحمل والصبر. كان القطاع يحتاج أبناء العالم القري الأقوياء، أولئك الذين عُرفوا بـ "الْعَطَّاشَةْ"، و "الْبُوزُورَاتْ"، و "الْفَرْمَايَةْ".


كانت إدارة الموارد البشرية بالمجمع الشريف للفوسفاط حينها تستقبل طلبات العمل، لكن بوابة العبور الحقيقية نحو الأنفاق المظلمة ودهاليز الأرض كانت تكمن في اجتياز امتحان واحد يحبس الأنفاس. "جرّ السَّطْلْ"...سطل حديدي ثقيل الوزن، لا يرفعه إلا من أوتي قوة في الساعدين وصلابة العضلات في الجسد. ورغم المخاطر الجسيمة التي تتربّص بالعمال تحت الأرض، كان العالم القروي بمناطق دكالة وعبدة وأحمر والرحامنة...يُعدُّ الرافد الأساسي الذي بنا صرح الاقتصاد الوطني بسواعد رجاله.


- وعكة السقوط داخل "الْمَطْفِيَّةْ" وتمارين تقوية العضلات:


استلم الشاب الكنتوري استدعاء الامتحان. طارت الفرحة بقلبه، وعمَّت البشرى أرجاء الدوار وبين جدران البيت. لكن الفرحة لم تخلُ من هَمٍّ ثقيل. فقد كان الشاب يرقب جسده ويخشى ألا تُسعفه عضلاته أمام هذا الاختبار العسير.


فطن الأب لما يجول بخاطر ابنه وهواجسه، وهو الذي كان يحلم بأن يراه عاملا مكرَّما بين أقرانه. ويستطيع أن يكسب قوت يومه ويضمن عملا مستقرا في قطاع الفوسفاط. وبحكمة ابن الأرض، التفت الأب إلى فناء الخيمة حيث تقع "الْمَطْفِيَّةْ"، خزان الماء الإسمنتي الفارغ. نظر إلى فتحتها الإسمنتية الدائرية، ثم التفت إلى ابنه وقال بثقة: اربطني بحبل، وأنزلني إلى قعر المطفية، ثم ارفعني...وسنكرر هذه العملية الرياضية كل صباح قبل أن نتناول وجبة الفطور" .

 

صار الصباح موعدا لملحمة أسبوعية، يربط الابن خصر أبيه بحبل متين، يرفعه وينزله ليقوي عضلاته ويزيد من قدرة تحمله. وفي صباح رياضي قبيل الامتحان بأيام، لم ينتبها كون أن الحبل قد اهترأ بفعل الاحتكاك المستمر على جدار الإسمنت. وفي لحظة حركة غير محسوبة، انقطع الحبل بسوء حظ!؟


للأسف الشديد، سقط والده من أعلى وسط قعر "الْمَطْفِيَّةْ"، فأصيب في ظهره وتعرض لكدمات في أنحاء جسمه حيث ألزمته الوعكة الفراش.

أتت لحظة الامتحان الحاسم. وقف الشاب أمام السطل الحديدي الثقيل، واستحضر صورة أبيه الراقد في الفراش وألمه وصبره، فقبض على المقبض بساعديه القويتين، وجرّ السطل بكل سهولة ودون عناء يُذكر.

 نجح الشاب وتسلم أوراق اعتماده عاملا فوسفاطي بالمنجم، ولما تقاضى أول أجر له، كانت أولى خطواته هي عيادة والده وتوفير العلاج له، نائلا رضا والديه ودعواتهما.


- "مُنْسْيُو شَّامُو"...هيبة الجسد وكبرياء "سِّي مِيلُودْ الصَّادْ":


وعلى جانب آخر من حكايا "الْغَارْ" بمناجم الفوسفاط باليوسفية، تُروى قصة السي ميلود، الذي ينحدر من دوَّار أولاد كبور بن الناصري (القايد مسعود). كان رجل ذو بنية قوية، منتصب القامة، عريض المنكبين، بسحنة قروية أصلية وتحدٍ لا يلين أمام الظلم والتنمر من طرف الفرنسيين وقتئذ.


خلال فترة الإدارة الفرنسية، وأمام صلابة العامل الفوسفاطي "سِّي مِيلُودْ الصَّادْ" وصبره العجيب على الأشغال الشاقة، أطلق عليه المهندس وزميله "الشَّافْ" الفرنسي لقب "Monsieur Chameau" أي "السَيِّدْ الْجَمَلْ"، في إشارة لقوته وتحمله وصبره.


كان العامل سِّي مِيلُودْ يُنجز الأشغال والمهام الشاقة بسرعة فائقة، مما دفع بعض رؤسائه الفرنسيين إلى تحميله أعمالا إضافية كلما أنهى عمله المكلف به. لكن شدة شكيمته ورفضه للإهانة والاستغلال قادته إلى صدامات حادة مع الأطر الفرنسية، وصلت إلى حد التعنيف والاشتباك بالأيدي. انتهى الأمر بطرده تعسفيا دون تعويضات أو تقاعد نسبي، ليواجه المصير ذاته الذي واجهه الكثير من عمال ذلك الجيل.


- من طرائف وغرائب العامل "سِّي مِيلُودْ":


لم تستكن عزيمة "السَيِّدْ الْجَمَلْ" بعد طرده من قطاع الفوسفاط؛ بل عاد إلى محراب كتاب الله يحفظه ويُحَفِّظُه، ليغدو فقيها جليلا بالدوار.

يُحكى أنه كان يمتطي حماره للذهاب والإياب للعمل يوميا، وفي إحدى المرات وهو يسير في اتجاه المنجم، اشتهت دابته الأليفة الرعي في حقل معشوشب على جانب الطريق، فأطلق له العنان. وما هي إلا لحظات حتى أقبل أصحاب الحقل يركضون بغضب لمنع الحمار ممطرين الرجل بوابل من السب والشتم. 


لم يتردد "سِّي مِيلُودْ"، بعد أن استحضر الآيةالكريمة: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين". نزل من على ظهر حماره برزانته وقوته المعهودة، ودافع عن موقفه بصرامة وأعطاهم درسا لا يُنسى في العراك "لَمْشَاوْشَةْ"، ثم عبئ "الشْوَارِي" بحصة مهمة من الكلأ والأعشاب مما لذ وطاب من زرع الحقل ليأخذه معه لبيته، مشكلا واحدة من أطرف القصص التي تداولها الأحفاد عن هذا الرجل الذي عاش شجاعا وتوفي بعد أن تجاوز التسعين ربيعا، بعد أن أصبح فقيها حاملا لكتاب الله.


وتبقى هذه الحكايات الواقعية من ثقافة المناجم شواهد حية على ذاكرة عمال الفوسفاط باليوسفية، حيث امتزج العرق والجهد بكبرياء الرجال وقيم التضامن الإنساني الأصيل.